أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

58

العقد الفريد

ودعا برطل ، ودخل شيخ من جلة الفقهاء فمدّ يده إليه ، فقال : واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربتها ناشئا ، فلا تسقنيها شيخا . فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة ، فأخذها منه وقال : يا أمير المؤمنين ، [ اللَّه ! اللَّه ! ] فإني عاهدت اللَّه في الكعبة ان لا أشربها أبدا ! ففكر طويلا والكأس في يد عمرو بن مسعدة . فقال : ردّا عليّ الكأس إنكما * لا تعلمان الكأس ما تجدي لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت * إلا بدمعكما من الوجد خوّفتماني اللَّه ربّكما * وكخيفتيه رجاؤه عندي إن كنتما لا تشربان معي * خوف العقاب شربتها وحدي المأمون وابن أكثم وابن طاهر شرب المأمون ويحيى بن أكثم وعبد اللَّه بن ، فتغامز المأمون وعبد اللَّه على سكر ابن يحيى ، فغمز الساقي ، فأسكره ، وكان بين أيديهم رزم « 1 » من ورد ورياحين ، فأمر المأمون فشق له لحد في الورد والرياحين ، وصيروه فيه ، وعمل بيتين في شعر ودعا قينة ، فجلست عند رأسه وحرّكت العود وغنت : ناديته وهو حيّ لا حراك به * مكفّن في ثياب من رياحين فقلت قم ، قال رجلي لا تطاوعني * فقلت خذ ، قال كفي لا تواتيني فانتبه يحيى لرنة العود ، وقال مجيبا لها : يا سيّدي وأمير الناس كلّهم * قد جار في حكمه من كان يسقيني إني غفلت عن الساقي فصيرني * كما تراني سليب العقل والدّين لا أستطيع نهوضا قد وهي جسدي * ولا أجيب المنادى حين يدعوني فاختر لبغداد قاض إنني رجل * الراح يقتلني والعود يحييني !

--> ( 1 ) الرزم : جمع رزمة ، وهي الباقة .