أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
39
العقد الفريد
استمرأ الحارّ ولم يستمرئ البارد ؛ ومن رطب بدنه كله أو معدته استمرأ الأطعمة الجافة ولم يستمرئ الرطبة ؛ ومن عرض له اليبس خلاف ذلك . فقد بان بما ذكرناه ان الأطعمة اللطيفة والمتوسطة في نفسها سريعة الانهضام وقد يجوز أن تكون الأطعمة الغليظة أسرع انهضاما في بعض الأبدان أيضا ؛ فقشر الخبز المحكم ، ولحم الدجاج ، والفراريج ، والدراج ، والحجل ، وكبود الإوز ، وأجنحتها - سريعة الهضم . وفي الجملة الجناح من كل طائر أسرع انهضاما من سائره ، وليس في الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي ؛ وكل ما كان من الحيوان يابسا فصغيره أسرع انهضاما ؛ ، وكذلك لحم العجاجيل « 1 » أسرع من لحم البقر ، ولحم الجدي الحولي اسرع انهضاما من لحم المسن من الماعز ؛ وكل ما كان من الحيوان أرطب فكبيره من قبل أن يسن أسرع انهضاما من صغيره ؛ الا ترى ان الحولي من الضأن اسرع انهضاما من الخروف ؟ وكل ما كان مرعاه من المواضع اليابسة كان اسرع انهضاما مما مرعاه في المواضع الرطبة ؛ وكل ما كان جرمه « 2 » متخلخلا فهو أسرع انهضاما مما كان جرمه متلزّزا ، ولذلك كان الجوز أسرع انهضاما من البندق ، والبيض الحارّ أمرأ من البيض البارد ، والشراب الحلو أمرأ من العفص « 3 » . الأطعمة البطيئة الانهضام إنما يعسر الانهضام من الطبيعة في الطعام إذا كان يابسا ، أو صلبا ، أو لزجا ، أو متلزّزا « 4 » ، أو كثير الدسم ، أو كثير الفضول ، أو كريه الطعم ، أو الحرافة فيه مفرطة ، أو البرد ، أو الحر ، أو مخالفا للمزاج الطبيعي إذا لم يشته .
--> ( 1 ) العجاجيل : جمع عجل ، وهو ولد البقرة ، ويجمع على عجول أيضا . ( 2 ) الجرم : يكسر الجيم ، الجسد . ( 3 ) العفص : ما كان فيه العفوصة ، وهي المرارة والقبض . ( 4 ) المتلزز : المجتمع الشديد .