أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
21
العقد الفريد
الحاجة منها إليها ، ومقدار ما يتناول منها ، والنوع الذي يحتاج إليه ؛ ولأنه لا يخلف الشيء الذي يتحلل ولا يقوم مقامه إلا مثله ، وليس تستطيع القوة التي تحيل الطعام والشراب في بدن الإنسان أن تحيل إلا ما شاكل البدن وقاربه ؛ فإذا كان هذا هكذا فلا بد لمن أراد حفظ الصحة أن يقصد لوجهين : أحدهما أن يدخل على البدن الأغذية الموافقة لما يتحلل منه ، والأخرى أن ينفي عنه ما يتولد فيه من فضول الأغذية . ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية وينبغي لك أن تعرف اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها ، لتعرف بذلك موافقة كلّ نوع من الأطعمة لكل صنف من الناس ؛ وذلك أن الأغذية مختلفة ؛ منها معتدلة ، كالتي يتولد منها الدم الخالص النقيّ ؛ ومنها غير معتدلة ، كالتي يتولد منها البلغم والمرّة الصفراء والسوداء والرياح الغليظة ؛ ومنها لطيفة ومنها غليظة ؛ ومنها ما يتولد عنه كيموس « 1 » لزج وكيموس غير لزج ؛ ومنها ما له خاصة منفعة أو مضرة في بعض الأعضاء دون بعض . وكذلك الأبدان أيضا ، منها معتدل مستول عليه في طبيعته الدم الخالص النقي ، ومنها غير معتدل يغلب عليه البلغم أو إحدى المرّتين ، ومنها متخلخل سريع التحلل ، ومنها مستحصف « 2 » عسر التحلل ، ومنها ما يكون في بعض أعضائها دون بعض ؛ فقد يجب متى كان المستولي على البدن الدم النقي أن تكون أغذيته قصدا في قدرها ، معتدلة في طبائعها ؛ ومتى كان الغالب عليه البلغم ، فيجب أن تكون مسخنة ، أو يغتذي بما يزيد في الحرارة ويقمع في الرطوبة ؛ ومتى كان الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي له أن يغتذي بالأغذية الحارة الرطبة ؛ ومتى كان الغالب عليه المرة الصفراء فيغتذي بالأغذية الباردة الرطبة ، ومتى كان بدنه مستحصفا « 3 » ، عسر التحلل فينبغي أن يغتذي بأغذية يسيرة لطيفة جافة ، ومتى كان متخلخلا فينبغي له أن يغتذي بأغذية لزجة ، لكثرة ما يتحلل من البدن .
--> ( 1 ) الكيموس : الخلط . ( 2 ) مستحصف : مشتد . ( 3 ) المستحصف : الذي خرج البثر في جلده .