أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
22
العقد الفريد
فهذا التدبير ينبغي أن يلتزم ، ما لم يكن في بعض أعضاء البدن ألم ، فينبغي أن يستعمل النظر في الأغذية الموافقة للعضو الألم ؛ لأنا ربما اضطررنا إلى استعمال ما يوافق العضو الألم ، وإن كان مخالفا لسائر البدن ؛ كما أنه لو كانت الكبد باردة ضيقة المجاري ، احتجنا إلى استعمال الأغذية اللطيفة وتجنّب الأغذية الغليظة ، وإن كان سائر البدن غير محتاج إليها لضعف أو نحافة ؛ لئلا تحدث الغليظة في الكبد سددا ؛ وربما كانت الكبد حارة ، فتحذر الأغذية الحلوة وإن احتاج إليها [ البدن ] لسرعة استحالتها إلى المرة الصفراء ، وربما كانت المعدة ضعيفة ، فتحتاج إلى ما يقوّيها من الأغذية ؛ وربما كان يولد الطعام فيها بلغما ، فتحتاج إلى ما يجلوه ويقطعه ؛ وربما كان يتولد فيها المرة الصفراء سريعا ، فتحتاج إلى ما يقمع الصفراء وإلى تجنّب الأشياء المولدة لها ؛ وربما كان الطعام يبقى على رأس المعدة طافيا ، فيستعمل الأغذية الغليظة الراسبة ، ليثقل بثقلها إلى أسفل المعدة ؛ وتأمره بحركة يسيرة بعد الطعام ، لينحط الطعام عن رأس المعدة . وربما كان فضل الطعام بطيء الانحدار عن المعدة والأمعاء ، فتحتاج إلى ما يحدره ويلين البطن ؛ وربما كان رأس المعدة حارا قابلا للحار ، فيتجنب الأغذية الحارة وإن احتاج إليها سائر البدن . الحركة والنوم مع الطعام وينبغي ألا تقتصر على ما ذكرنا دون النظر في مقدار الحركة قبل الطعام ، والنوم بعده ؛ فمتى كانت الحركة قبل الطعام كثيرة غذيناه بأغذية غليظة لزجة إلى اليبس مما هي بطيئة التحلل ، ولم نأمره بالحمية لقلة الحاجة إليها ، ومتى لم تكن قبل الطعام حركة ، أو كانت يسيرة ، فينبغي أن لا يقتصر على الحمية بقلة الطعام ولطافته ، دون أن يستعين على تخفيف ما يتولد في البدن من الفضول باستفراغ الأدوية المسهلة ، وبالحمّام ، وبإخراج الدم ؛ ومتى كانت الحركة كافية استعملنا الأغذية المعتدلة في كثرتها ، وقدر لطافتها وغلظها ؛ ومتى كان النوم بعد الطعام كثيرا احتجنا إلى استعمال أغذية كثيرة غزيرة بالغذاء ، لطول الليل وكثرة النوم ؛ ومتى كان النوم قليلا احتجنا إلى الطعام الخفيف اللطيف ، كالذي يغتذى به في الصيف ، لقصر الليل وقلة النوم .