أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
20
العقد الفريد
الدواء الذي لا داء معه حبّ الرشاد الأبيض . وقال الهندي : الهليلج الأسود . وقال الرومي : الماء الحارّ ، وقال اليوناني وكان أطبّهم : حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة ، والماء الحارّ يرخي المعدة ، والهليلج الأسود يرق المعدة ؛ ولكن الدواء الذي لا داء معه : أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه . تدبير الصحة ثم نذكر بعد هذا من وصف الطعام وحالاته ، وما يدخل على الناس من ضروب آفاته ، بابا في تدبير الصحة الذي لا تقوم الأبدان إلا به ، ولا تنمّى النفوس إلا عليه . وقد قال الشافعي : العلم علمان : علم الأديان ، وعلم الأبدان ؛ ولم نجد بدّا - إذ كانت جملة هذه المطاعم التي بها نمو الغراسة « 1 » ، وعليها مدار الأغذية تضرّ في حالة وتنفع في أخرى - من ذكر ما ينفع منها ومقدار نفعه ، وما يضرّ منها ومبلغ ضرّه ؛ وأن نحكم على كل ضرب منها بالأغلب عليه من طبائعه . وقلما نجد شيئا ينفع في حالة إلا وهو ضار في الأخرى ؛ ألا ترى أن الغيث الذي جعله اللّه رحمة لخلقه ، وحياة لأرضه ، قد يكون منه السيول المهلكة ، والخراب المخيف ؟ وأن الرياح التي سخرها اللّه مبشرات بين يدي رحمته ، قد أهلك بها قوما وانتقم من قوم ؟ وفي هذا المعنى قال حبيب الطائي : ولم تر نفعا عند من ليس ضائرا * ولم تر ضرّا عند من ليس ينفع قال خالد بن صفوان [ يوما ] لخادمه : أطعمنا جبنا ، فإنه يشهّي الطعام ، ويهيج المعدة ، وهو حمض العرب . قال : ما عندنا منه شيء . فقال : لا بأس عليك ، فإنه يقدح « 2 » الأسنان ، ويشد البطن . ولما كانت أبدان الناس دائبة التحلل ، لما فيها من الحرارة الغريزية من داخل ، وحرارة الهواء المحيط بها من خارج - احتاجت إلى أن يخلف عليها ما تحلل ، واضطرت لذلك إلى الأطعمة والأشربة ، وجعلت فيها قوة الشهوة ليعلم بها وقت
--> ( 1 ) الغراسة : فسيل النخل . ( 2 ) يقدح : يحدث فيها أكالا .