أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

167

العقد الفريد

وخلفائهم أحدا يفي بالمأمون ، ولا شاهدت من النساء امرأة كبوران في عقلها ؛ وأما معرفتها وأدبها فما أظن من يتهيّأ له أن يقف من العلوم على ما وقفت عليه ولقد سألت بعض من يتولى خدمتها من العجائز : ما حملها على ما أرى ؟ فقالت : إنها تفعل ذلك منذ كذا وكذا سنة ، ولقد عاشرت الظرفاء والملاح والأدباء أكثر من أن يقع عليه إحصاء ، ولم يكن جرى بينها وبين أحد مكروه ولا خنا « 1 » ولا كلمة قبيحة ؛ ولم يكن مذهبها في ذلك إلا حب الأدب والمذاكرة ، ومعاشرة الظرفاء وأهل المروءة والأقدار والنّبل والأخطار ، لا لريبة تظهر ، ولا لحالة تنكر . قال : فو اللَّه لقد تضاعف قدرها عندي ، وعظم خطرها في نفسي ، وعلمت شرف همتها وفضلها . فهذا خبر بوران صحيحا على الحقيقة ، وسبب تزوّج المأمون بها . فتى من بني حنيفة وجارية قال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي : إن ناسا من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم ، فرأى فتى منهم في طريقه جارية ، فرمقها وقال لأصحابه : لا أنصرف واللَّه حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها ! فطلبوا إليه أن يكف فأبى ، وأقبل يراسل الجارية ؛ وتمكن حبها من قلبه ، فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل ، فمضى إليها ليلة متقلدا سيفا وهي بين أخوين لها نائمة ، فأيقظها ؛ فقالت : انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلاك ! فقال : الموت أهون واللَّه مما أنا فيه ، ولكن أعطيني يدك أضعها على قلبي وأنصرف ! فأعطته يدها ، فوضعها على قلبه وانصرف ؛ فلما كانت الليلة الثانية ، أتاها وهي على مثل تلك الحال ، فأيقظها ، فقالت له مثل مقالها الأوّل ، فقال : لك اللَّه إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما أن أنصرف ! فأمكنته فرشفهما ثم انصرف ؛ فوقع في قلبها من حبه مثل ما كان به . . . وفشا خبرهما في الحيّ ، فقال أهل الجارية : ما مقام هذا الفاسق في هذا الجبل ؟

--> ( 1 ) الخنا : الفحش في الكلام .