أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

168

العقد الفريد

امضوا بنا إليه الليلة ! فبعثت إليه الجارية : إن القوم سيأتونك الليلة ، فاحذر على نفسك ! فلما أمسى قعد على مرقاة ومعه قوسه وسهمه ، ووقع بالحيّ في الليل مطر ، فاشتغلوا عنه ؛ فلما كان آخر الليل وانقشع السحاب وطلع القمر ، اشتاقته الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها ؛ فنظر الفتى إليهما فظن أنهما يطلبانه ، فرمى فما أخطأ قلب الجارية ، فوقعت ميتة ، وصاحت الأخرى ورجعت ؛ فانحدر الفتى من الجبل فإذا الجارية ميتة ، فقال : نعب الغراب بما كره * ت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها * فاصبر وإلا فانتحر ثم وجأ بمشاقصه « 1 » في أوداجه حتى مات ؛ فجاء أهل المرأة فوجدوهما ميّتين ، فدفنوهما في قبر واحد ! باب اللغز كانت في أبي عطاء السندي لثغة قبيحة ، فاجتمع يوما في مجلس بالكوفة فيه حماد الراوية ، وحماد عجرد ، وحماد بن الزبرقان ، وبكر بن مصعب ؛ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : ما بقي شيء إلا وقد تهيأ في مجلسنا هذا ، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ! فأرسلوا إليه ، فأقبل يقول : مرهبا مرهبا ! هياكم اللَّه ! وقد كان قال أحدهم . من يحتال لأبي عطاء حتى يقول : جرادة ، وزج « 2 » ؟ وشيطان ! فقال حماد الراوية : أنا ! فقال : يا أبا عطاء ؛ كيف علمك باللغز ؟ قال : هسن ، يريد : حسن ، فقال له : فما صفراء تكنى أمّ عوف * كأنّ سويقتيها منجلان « 3 » قال : زرارة . فقال : أصبت ، ثم قال :

--> ( 1 ) وجأ بالمشقص : دفع بجمع كفه سهما عريض النصل في عنقه . ( 2 ) الزج : الحديدة في أسفل الرمح . ( 3 ) السّباق : الرباط ، أو القيد .