أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

152

العقد الفريد

خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى * ومهما يقل أسمع وإن قلت يسمع ألا ليت شعري أي خطب أصابه * فلي زفرات هجن ما بين أضلع فلا يبعدنك اللَّه خلا فإنني * سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي قال : فلما حججت ووقفت بعرفات ، إذا به قد أقبل ، وقد تغير لونه وساءت هيئته ، وما عرفته إلا بناقته ؛ فأقبل [ فأدنى ناقته من ناقتي ] حتى خالف بين أعناقهما ، ثم اعتنقني وجعل يبكي ، فقلت له : ما الذي دهاك ؟ قال : برح الخفاء وكشف الغطاء ثم أنشد يقول : لئن كانت عديلة ذات مطل * لقد علمت بأنّ الحبّ داء « 1 » [ ألم تنظر إلى تغيير جسمي * وأنّي لا يفارقني البكاء ] وإنك لو تكلفت الذي بي * لزال السّتر وانكشف الغطاء وإن معاشري ورجال قومي * حتوفهم الصّبابة واللقاء إذا العذريّ مات بحتف أنف * فذاك العبد تحكيه الرّشاء فقلت : يا أبا مسهر ، إنها ساعة عظيمة ، تضرب فيها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها ، فلو دعوت اللَّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك ، وتنصر على عدوّك فجعل يدعو ، حتى إذا مالت الشمس للغروب ، وهم الناس أن يفيضوا سمعته يهينم بشيء ، فأصغيت مسمعا ، فجعل يقول : يا ربّ كلّ غدوة وروحه * من محرم يشكو الصّبا ونوحه « 2 » أنت حسيب الخلق يوم الدوحه فقلت له وما يوم الدوحة ؟ قال : سأخبرك إن شاء اللَّه ، ولو لم تسلني . فيممنا نحو المزدلفة ، فأقبل عليّ وقال : إني رجل ذو مال كثير ، من نعم وشاء ، وإني خشيت على مالي عام أوّل التلف ، فأتيت أخوالي كلبا ، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني

--> ( 1 ) المطل : تأجيل موعد الوفاء مرة بعد أخرى . ( 2 ) الغدوة : الغداة : ما بين الفجر وطلوع الشمس .