أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

153

العقد الفريد

جمة البئر « 1 » ، وكنت منهم في خير أخوال ؛ ثم إني عزمت على مواقعة إبلي بماء لهم يقال له الحوادث ؛ فركبت يوما فرسي ، وعلقت معي شرابا أهداه إلي بعض الكلبيين ، فانطلقت ؛ حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم ، رفعت لي دوحة عظيمة ، فقلت : لو نزلت تحت هذه الشجرة ثم تروّحت مبردا ! ففعلت ، فشددت فرسي ببعض أغصانها ، ثم جلست تحتها ، فإذا بغبار [ قد ] سطع من ناحية الحي ، ثم تبينت ، فبدت لي شخوص ثلاثة ، فإذا فارس يطرد مسحلا « 2 » وأتانا ، فلما قرب مني إذا عليه درع أصفر وعمامة خز سوداء ؛ فما لبث أن لحق المسحل فطعنه فصرعه ، ثم ثنى طعنة للأتان ، وأقبل وهو يقول : نطعنهم سلكى ومخلوجة * كرك لأمين على نابل « 3 » فقلت له : إنك قد تعبت وأتعبت ، فلو نزلت ، فثنى رجله ونزل وشدّ فرسه ببعض أغصان الشجرة ؛ ثم أقبل حتى جلس ، فجعل يحدثني حديثا ذكرت به قول الشاعر : وإنّ حديثا منك لو تبذلينه * جنى النحل في ألبان عوذ مطافل « 4 » فبينا هو كذلك ، إذ نكت بالسوق على ثنيتيه ، فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط وقلت : مه ! فقال : ولم ؟ قلت : إني خائف أن تكسرها ؛ إنهما رقيقتان عذبتان . قال : فرفع عقيرته وجعل يقول : إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي * ثناياه لم يأثم وكان له أجر وقال : ما هذا الذي جعلت في سرجك ؟ قلت : شراب أهداه إليّ بعض أهلك . فهل لك فيه ؟ قال : ما نكرهه إذا كره . فأتيته به ، فوضعته بيني وبينه ، فلما شرب منه شيئا نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مهاة قد أضلت ولدها ؛ ثم رفع عقيرته يتغنى :

--> ( 1 ) جمة البئر : ما جمّ منها وارتفع . ( 2 ) المسحل : الحمار الوحشي . ( 3 ) سلكى : مستقيمة ، لأمين : سهمين عليهما ريشهما . ( 4 ) عوذ : جمع عائذة وهي الناقة الحديثة العهد بالنتاج ، والمطافل : التي جاءت بطفل .