أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
151
العقد الفريد
ولعلي بن الجهم : أعظم ذنبي عندكم ودّي * فليت هذا ذنبكم عندي يا حسرتا أهلك وجدا بمن * لا يعرف الشكوى من الوجد خبر الجعدين : حماد الراوية قال : أتيت مكة ، فجلست في حلقة منها فيها عمر بن أبي ربيعة القرشي ، وإذا هم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم ، فقال عمر بن أبي ربيعة ، أحدّثكم عن بعض ذلك . كان لي خليل من عذرة ، [ يقال له الجعد بن مهجع ، و ] يكنى أبا مسهر وكان مشتهرا بأحاديث النساء ، يشبّب بهن وينشد فيهن ، على أنه كان لا عاهر الخلوة ، ولا حديث السلوة ؛ وكان يوافي الموسم في كل سنة ، فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار ، واستوقفت له السّفّارة « 1 » . وإنه غاب عني ذات سنة خبره ، حتى قدم وفد عذرة ، فأتيت القوم أنشد صاحبي ، فإذا رجل يتنفس الصعداء ؛ فقال : عن أبي مسهر تسأل ؟ قلت : نعم . قال : هيهات هيهات ! أصبح واللَّه أبو مسهر لا حيّا يرجى ، ولا ميتا ينسى ، ولكنه كما قال الشاعر : لعمرك ما هذا الغرام بتاركي * صحيحا ولا أقضي به فأموت فقلت : وما الذي به ؟ قال : مثل الذي بك من أنهما ككما في الضلال ، وجرّكما أذيال الخسران ، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار ! قلت : ما أنت منه يا ابن أخي ؟ قال : أخوه . قلت : واللَّه [ ما يمنعك أن تسلك مسلكه الذي سلك إلا ] أنك وأخاك كالوشي والبجاد « 2 » ، لا يرقعك ولا ترقعه ! ثم انطلقت وأنا أقول : أرائحة حجّاج عذرة روحة * ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
--> ( 1 ) السّفارة : الكناسة . ( 2 ) البجاد : كساء مخطط .