أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

126

العقد الفريد

ولقد قام لحظ عي * ني على القلب بالقلى قلت له : أبو من أعزك اللَّه ؟ قال : أبو عيشونة الخياط ، شهدت حروب ابن زبيدة كلها ، وجاريت الفتيان في غاية كل ميدان ، واعترف لي كلّ فاتك ، وأذعن لي كل شاطر ، ونزلت تلك الدار عشرين سنة - وأومأ إلى سجن بغداد - ثم تنفس الصعداء ، وقال : أنا الذي أقول : لي فؤاد مستهام * وجفون لا تنام ودموع آخر الدّه * ر لعينيّ سجام « 1 » وحبيب كلّما خا * طبته قال سلام فإذا ما قلت زرني * قال لي : ذاك حرام ! ثم بكى ، فلما أفاق قلت : ما يبكيك ؟ قال : وكيف لا أبكي ولي حبيب بالبصرة علقته وهو ابن سبع عشرة سنة ، ثم غبت عنه ثلاثا وثلاثين سنة ، فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت في شوارعها حتى رأيته ، فما رأيت وجها أحسن منظرا ولا أزهى منه . ثم أنشأ يقول : مردّة في كمده * معذّب في سهده « 2 » خلا به السّقم ، فما * أسرعه في جسده يرحمه لما بدا * من ضرّه ذو حسده . ثم ودعني ومضيت . جارية في الطواف وحدث أبو الفضل قال : إني بالطواف أمام الحجر ، إذا سمعت حنينا يخرج من بين الأستار ، وإذا بقائل يقول : عفا اللَّه عمّن يحفظ الودّ جهده * ولا كان عفو اللَّه للنّاقض العهد

--> ( 1 ) سجم الدمع : أي سال . ( 2 ) الكمد : الحزن الشديد .