أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
117
العقد الفريد
قال أوس بن حجر حيث يقول : دان مسفّ فويق الأرض هيدبه * يكاد يدفعه من قام بالراح « 1 » همت برذاذ ، ثم بطش ، ثم برش ، ثم بوابل ، ثم أقلعت وقد غادرت الغدران مترعة تتدفق ، والقيعان تتألق ، رياض مونقة ، ونوافح من ريحها عبقة فسرّحت طرفي راتعا منها في أحسن منظر ، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر . قال : فلما انتهينا إلى أوائلها ، إذا نحن نجباء على بابه جارية مشرقة ، ترنو بطرف مريض الجفون ، وسنان النظر ، أشعرت حماليقه « 2 » فترة وملئت سحرا ، فقلت لزميلي : استنطقها . قال : وكيف السبيل إلى ذلك ؟ قلت : استسقها . فاستسقاها ، فقالت : نعم ونعمى عين ، وإن نزلتم ففي الرحب والسعة ! ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان « 3 » ، أو قضيب خيزران ، فراعني ما رأيت منها ؛ ثم أتت بالماء فشربت منه ، وصببت باقيه على يدي . ثم قلت : وصاحبي أيضا عطشان ! فأخذت الإناء فذهبت ، فقلت لصاحبي : من الذي يقول : إذا بارك اللَّه في ملبس * فلا بارك اللَّه في البرقع « 4 » يريك عيون الدّمى غرّة * ويكشف عن منظر أشنع قال : وسمعت كلامي ، فأتت وقد نزعت البرقع ولبست خمارا أسود ، وهي تقول : ألا حيّ ربعي معشر قد أراهما * أقاما ، فما أن يعرفا مبتغاهما هما استسقيا ماء على غير ظماءة * ليستمتعا باللّحظ ممن سقاهما فشبّهت كلامها بعقد درّ وهي فانتثر ، فنغمة عذبة رقيقة رخيمة ، لو خوطب بها صمّ الصلاب لانبجست ، مع وجه يظلم من نوره ضياء العقول ، وتتلف من روعته مهج النفوس ، وتخف في محاسنه رزانة الحليم ، ويحار في بهائه طرف البصير ؛ فرقت
--> ( 1 ) الهيدب : السحاب المتدلي الذي يدنو من الأرض ويرى كأنه خيوط عند انصبابه . ( 2 ) الحماليق ، جمع حملاق ، وهو ما يسوده الكحل من باطن الأجفان . ( 3 ) الخوط : الغصن الناعم . ( 4 ) البرقع : قناع النساء .