أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
118
العقد الفريد
وزلت ، واستبطرت وأكملت ، فلو جنّ إنسان من الحسن جننت ؛ فلم أتمالك أن خررت ساجدا فأطلت من غير تسبيح . فقالت : ارفع رأسك غير مأجور ؛ لا تذمّ بعدها برقعا ، فلربما انكشف عما يصرف الكرى ، ويحلّ القوى ، ويطيل الجوى ، من غير بلوغ إرادة ، ولا درك طلبة ، ولا قضاء وطر ؛ ليس إلا للحين المجلوب ، والقدر المكتوب ، والأهل المكذوب ! فبقيت واللَّه معقول اللسان عن الجواب ، حيران لا أهتدي لطريق ، فالتفت إليّ صاحبي فقال : ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته ؟ أما سمعت قول ذي الرمّة : على وجه ميّ مسحة من ملاحة * وتحت الثياب العار لو كان باديا ! فقالت : أمّا ذهبت إليه فلا أبا لك ، واللَّه لأنا بقول الشاعر : منعّمة حوراء يجري وشاحها * على كشح مرتجّ الروادف أهضم « 1 » لها أثر صاف وعين مريضة * وأحسن إبهام وأحسن معصم خزاعيّة الأطراف سعدية الحشا * فزاريّة العينين طائيّة الفم . . . أشبه من قولك الآخر ، ثم رفعت ثيابها حتى بلغت بها نحرها . وجاوزت منكبيها ، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب ، يهتز مثل كثيب نقا ، وصدر كالوذيلة « 2 » عليه كالرمانتين ، وخصر لو رمت عقده لانعقد ، منطوي الاندماج ، على كفل رجراج ، وسرّة مستديرة ، يقصر فهمي عن بلوغ نعتها ، من تحتها أرنب جاثم ، جبهته أسد خادر ، وفخذان مدملجان ، وساقان خدلّجان « 3 » يخرسان الخلاخيل ، وقدمان كأنهما لسانان . ثم قالت : أعارا ترى لا أبا لك ؟ قلت : لا واللَّه ، ولكن سبب القدر المتاح ، ومقرّبي من الموت الذباح ، يضيق على الضريح ، ويتركني جسدا بغير روح !
--> ( 1 ) الاهضم : من خمص بطنه ولطف كشحه . ( 2 ) الوذيلة : المرآة . ( 3 ) خدلجان : ممتلئان .