أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

111

العقد الفريد

على إمرة مطاعة فقمرته « 1 » . فقال لها : تمنّي ! قالت : تقوم فتقطع فردا . فقام فقضى فيها وطره ، ثم لاعبها فقمرته ، فقال لها : تمنّي ! فقالت : المعاودة فغشيها ، ثم لاعبته فقمرته . فقالت : قم لميعادك ! فقال : لا أقدر على ذلك ! قالت : فاكتب لي به عليك كتابا آخذ به متى شئت ! قال : ذلك لك . فدعت بدواة وقرطاس ، ثم كتبت : هذا « كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين : إن لي عليك قرضا آخذك به متى شئت وأنى شئت من ليل أو نهار . . . وكان على رأسها وصيفة ، فقالت : تزيّدي في الكتاب ، فإنك لا تأمنين الحدثان ! ومن قام بهذا الذكر حق قيامه فهو وليّ ما فيه ! فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه ، واستظرفها ، وأمر بأن تنزل مقصورة وأن يجرى عليها رزق سنيّ ، وشغف بها ، ويقال : إنها مراجل أم المأمون . بين الأمين وجلسائه تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار ، فالتفت إلى جليس له - وهو محمد بن سلّام صاحب المظالم - فقال له : ويحك يا محمد ! أتراني ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، ذكرت قول الشاعر : ذكر الهوى فتنفس المشتاق * وبدا عليه الذّلّ والإطراق يا من يصيّرني لأصبر بعده * الصبر ليس يطيقه العشاق فقال : لا واللَّه ما نكأتها « 2 » . ثم التفت إلى جليس له آخر . فقال : ويحك ! أتراني ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، ذكرت قول ابن الأحنف : تذكرت بالريحان منك شمائلا * بالراح عذبا من مقبّلك العذب « 3 » فقال : لا واللَّه ما نكأتها ثم التفت إلى كوثر الخادم ، فقال : ويحك ، أتراني ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني : إن كان دهر بني ساسان فرقهم * فإنما الدهر أطوار دهارير « 4 »

--> ( 1 ) قمرته : غلبته في اللعب . ( 2 ) أي لم تصب . ( 3 ) الراح : الخمر . ( 4 ) دهارير : مختلفة .