أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

98

العقد الفريد

تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤهل لك هذا المال ضياعا . فاشتريت لي ضياع بعشرين ألف درهم ، ودفع إليّ بقية المال . فهذا الخبر الذي عاقني عنكم ، فهلموا حتى أقاسمكم الضّياع ، وأفرق فيكم المال قلنا له : هنأك اللَّه ، فكل منا يرجع إلى نعمة من أبيه . فأقسم وأقسمنا فقال : [ فتكونون ] أسوتي فيه . فقلنا : أما هذه فنعم . قال : فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها . فمشينا إلى صاحبها ، وكانت جارية جميلة حلوة ، لا تحسن شيئا ، أكثر ما فيها ظرف اللسان وتأدية الرسائل ، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار ؛ فلما رأى مولاها ميل المشتري استام بها خمسمائة ، فأجبناه بالعجب فحط مائة ، ثم قال العباس : يا فتيان ، إني واللَّه أحتشم أن أقول بعد ما قلتم ، ولكنها حاجة في نفسي ، بها يتم سروري ، فإن ساعدتم فعلت . قلنا له : قل قال هذه الجارية أنا أعاينها منذ دهر ، وأريد إيثار نفسي بها ؛ فأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها ! دعوني أعطيه بها خمسمائة دينار كما سأل ! قلنا له : وإنه قد حط مائتين . قال : وإن فعل . قال : فصادفت من مولاها رجلا حرّا ، فأخذ ثلاثمائة وجهزها بالمائتين ! فما زال إلينا محسنا حتى فرق الموت بيننا . حديث المجرّد قال إسحاق بن إبراهيم : قال لي ابن وهب الشاعر : واللَّه لأحدثنك حديثا ما سمعه مني أحد قط ، وهو بأمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حيا . قلت : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها « 1 » قال : يا أبا محمد إنه حديث ما طنّ في أذنك أعجب منه ! قلت : كم هذا التعقيد بالأمانة ؟ آخذه على ما أحببت ! قال : بينا أنا بسوق الكيل بمكة بعد أيام الموسم ، إذ أنا بامرأة من نساء مكة ، معها صبي يبكي ، وهي تسكته فيأبى أن يسكت ، فسفرت ، فأخرجت من فيها كسرة

--> ( 1 ) سورة الأحزاب الآية 72 .