أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
99
العقد الفريد
درهم فدفعتها إلى الصبيّ فسكت ؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب درّي ، وإذا شكل رطب ولسان فصيح ؛ فلما رأتني أحدّ النظر إليها ، قالت : اتبعني ! فقلت : إن شريطتي الحلال ! قالت : ارجع في حرامك ! ومن يريد بك على حرام ؟ فخجلت ، وغلبتني نفسي على رأيي ، فتبعتها ، فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة وقالت : اصعد ! فصعدت ، فقالت : أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم ، وأنا امرأة من زهرة ! ولكن عندي حر ضيّق ، عليه وجه أحسن من العافية ، في مثل خلق ابن سريج ، وترنم معبد ، وتيه ابن عائشة ؛ أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم . قلت : وما أشقر سليم ؟ قالت : بدينار واحد يومك وليلتك ، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجا صحيحا . قلت : فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت . قال : فصفقت بيدها إلى جاريتها ، فاستجابت لها ، قالت : قولي لفلانة : البسي عليك ثيابك وعجّلي ، وباللَّه لا تمسّي غمرا « 1 » ولا طيبا ، فحسبك بدلالك وعطرك . قال : فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها ، كأنها دمية ، فسلمت وقعدت كالخجلة . فقالت : لها الأولى : إن هذا الذي ذكرته لك ، وهو في هذه الهيئة التي ترين . قالت : حيّاه اللَّه وقرّب داره . قالت : وقد بذل لك من الصداق دينارا . فقالت : أي أمّ ، أخبرتيه بشريطتي ؟ قالت : لا واللَّه يا بنية ، لقد نسيتها . ثم نظرت إليّ فغمزتني وقالت : أتدري ما شريطتها ؟ قلت : لا . قالت : أقول لك بحضورها ما إخالها تكرهه ، هي واللَّه أفتك من عمرو بن معد يكرب ، وأشجع من ربيعة بن مكدّم ، ولست بواصل إليها حتى تسكر وتغلب على عقلها ، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع . قلت : ما أهون هذا وأسهله ! قالت الجارية : وتركت شيئا آخر ! قالت : نعم واللَّه ، أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها ، وتراك مجرّدا مقبلا ومدبرا . قلت : وهذا أيضا أفعله ! قالت : هلمّ دينارك ! فأخرجت دينارا فنبذته إليها ؛ فصفقت صفقة أخرى ، فأجابتها امرأة ؛
--> ( 1 ) الغمر : طلاء تطلى به العروس يتخذ من الورس .