أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
75
العقد الفريد
قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإذا بامرأة بفناء المسجد تبيع من طرائف المدينة ، وإذا هي في ناحية وحدها وعليها ثوبان خلقان ، وإذا هي ترجّع بصوت خفي شجي ، فالتفتّ فرأيتها فوقفت ، فقالت : هل من حاجة ؟ قلت تزيدين في السماع ! قالت : وأنت قائم ؟ لو قعدت ! فقعدت كالخجل ، فقالت : كيف علمك بالغناء ؟ فقلت : علم لا أحمده ، قالت : فعلام أنفخ بغير نار ؟ ما منعك من معرفته ؟ فو اللّه إنه لسحوري وفطوري ! قلت : وكيف وضعته بهذا الموضع العالي ؟ قالت : يا هذا ، وهل له موضع يوضع به وهو في علوه في السماء الشاهقة ؟ قلت : فكل هؤلاء النسوة اللاتي أرى على مثل رأيك وفي مثل حالك ؟ قالت ؟ : فيهن وفيهن . . . ، ولي بينهن قصة . قلت : ومان هي ؟ قالت : كنت أيام شبابي وأنا في مثل هذه الخلقة التي ترى من القبح والدمامة ، وكنت أشتهي الجماع شهوة شديدة وكان زوجي شابا وضيئا ، وكان لا ينتشر عليّ حتى أتحفه وأطيّبه وأسكره ، فأضرّ ذلك بي ؛ وكان قد علقته امرأة قصّار « 1 » تجاورني ، فزاد ذلك في غمي ؛ فشكوت إلى جارة لي ما أنا فيه ، وغلبة امرأة القصار على زوجي ؛ فقالت : أدلّك على ما ينهضه عليك ويرد قلبه إليك ! قلت : وا بأبي أنت ! إذا تكونين أعظم الخلق منة عليّ . قالت : اختلفي إلى مجمع مولى الزبير ، فإنه حسن الغناء ، فاعلقي من غنائه أصواتا عشرة ، ثم غنيّ بها زوجك ، فإنه سيجامعك بجوارحه كلها ! قالت : فالتطت بمجمعه ، فلم أفارقه حتى رضيني حذاقة ومعرفة ؛ فكنت إذا أقبل زوجي اضطجعت ورفعت عقيرتي « 2 » ثم تغنيت ، فإذا غنيت صوتا بت على نيّف ، وإن غنيت صوتين بت على اثنين ، وان غنيت ثلاثة فثلاثة . فكنّا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا قال : فضحكت واللّه حتى أمسكت على بطني ، وقلت : يا هذه ، ما أظن أنه خلق مثلك ! قالت : اخفض من صوتك ، قلت : ما كان أعظم منّة من المشورة قالت :
--> ( 1 ) القصّار : المبيض الثياب . ( 2 ) العقيرة : الصوت .