أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
60
العقد الفريد
واللّه ما أسلوكم أبدا * ما لاح نجم أو بدا فجر قال : فلم تأت على آخر الأبيات حتى خرّ الفتى مغشيا عليه ؛ فقال يزيد للجارية : انظري ما حاله ! فقامت إليه فحرّكته ، فإذا هو ميت ! فقال لها : ابكيه ! قالت لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حيّ ! قال لها : ابكيه ، فو اللّه لو عاش ما انصرف إلا بك ! فبكته ، وأمر بالفتى فأحسن جهازه ودفنه . عبد الملك وابن جعفر في الغناء : قال : وحدّث أبو يوسف بالمدينة قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجذامي عن أبيه ، أنّ عبد اللّه بن جعفر وفد على عبد الملك بن مروان ، فأقام عنده حينا ؛ فبينا هو ذات ليلة في سمره ، إذ تذاكروا الغناء ؛ فقال عبد الملك : قبح اللّه الغناء ! ما أوضعه للمروءة ، وأجرحه للعرض ، وأهدمه للشّرف ، وأذهبه للبهاء ! وعبد اللّه ساكت ، وإنما عرّض بعبد اللّه ، وأعانه عليه من حضر من أصحابه - فقال عبد الملك : مالك أبا جعفر لا تتكلم ؟ قال : ما أقول ولحمي يتمزع وعرضي يتمزق ؟ قال : أما إني نبّئت أنك تغني ! قال : أجل يا أمير المؤمنين ، قال : أفّ لك وتفّ ! قال : لا أفّ ولا تفّ ، فقد تأتي أنت بما هو أعظم من ذلك ، قال : وما هو ؟ قال : يأتيك الأعرابي الجافي ، يقول الزّور ؛ ويقذف المحصنات ؛ فتأمر له بألف دينار ، وأشتري أنا الجارية الحسناء من مالي ، فأختار لها من الشعر أجوده ، ومن الكلام أحسنه ، ثم تردّده عليّ بصوت حسن ؛ فهل بذلك بأس ؟ قال : لا بأس ، ولكن أخبرني عن هذه الأغاني ما تصنع ؟ قال : نعم ، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة ، فكان بديح وطويس يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما ، فعلقت منهما حتى غلبت عليهما ؛ فوصفت ليزيد بن معاوية ، فكتب إليّ : إمّا أهديتها إليّ ، وإمّا بعتها بحكمك . فكتبت إليه : إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة ! فبذل لي فيها ما كنت أحسب أنّ نفسه لا تسخو به ، فأبيت عليه . فبينما هي عندي على تلك الحال ، إذ ذكرت لي عجوز من عجائزنا أنّ فتى من