أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
61
العقد الفريد
أهل المدينة سمع غناءها فعلقها وشغف بها ، وأنه يجيء في كل ليلة مستترا يقف بالباب حتى يسمع غناءها ثم ينصرف ؛ فراعيت مجيئه ، فإذا الفتى قد أقبل مقنّع الرأس ، فأشرفت عليه وقد قعد مستخفيا ، فلم أدع بها تلك الليلة ، وجعلت أتأمّل موضعه ، فبات مكانه الذي هو فيه ؛ فلما انشق الفجر اطلعت عليه ، فإذا هو في موضعه ، فدعوت قيّمة الجواري فقلت لها : انطلقي الساعة فزيّني هذه الجارية واعجلي بها إليّ . فلما جاءت بها نزلت وفتحت الباب وحرّكته ، فانتبه مذعورا ؛ فقلت له : لا بأس عليك ! خذ بيد هذه الجارية فهي لك ، وإن هممت ببيعها فردّها إليّ ! فدهش وأخذه الخبل ولبط به « 1 » ؛ فدنوت من أذنه ! فقلت : ويحك ! قد أظفرك ببغيتك ، فقم فانطلق بها إلى منزلك ! فإذا الفتى قد فارق الدنيا ، فلم أر شيئا قط أعجب منه ! قال عبد الملك : وأنا واللّه ما سمعت شيئا قط أعجب من هذا ولولا أنك عاينته ما صدّقت به ؛ فما صنعت بالجارية ؟ قال : تركتها عندي ، وكنت إذا ذكرت الفتى لم أجد لها مكانا من قلبي ، وكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد فيبلغه حالها فيحقد عليّ ، فما زالت تلك حالها حتى ماتت ! طريفة وأيوب المغني : ووقف رجل يقال له طريفة على أيوب المغني فقال : إني قصدت إليك من أهلي * في حاجة يسعى لها مثلي لا أبتغي شيئا لديك سوى * « حيّ الحمول بجانب الرّمل » فقال له : انزل ، فلك ما طلبت ، فنزل ، فأخرج عوده ثم غناه بقول امرئ القيس : حيّ الحمول بجانب الرمل * إذ لا يلائم شكلها شكلي فلبط « 2 » بطريفة ، فإذا هو في الأرض منجدل ، فلما أفاق قام يمسح التراب عن
--> ( 1 ) لبط به : صرع . ( 2 ) يقال لبط به ، بالبناء المجهول ، إذا ضرب بنفسه الأرض من داء أو أمر يغشاه مفاجأة .