أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

39

العقد الفريد

والحسن يقفوهما ، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه ؛ فقال : من هذا ؟ فقال له الحسن : أنا هذا يا بن عائشة ! قال : لبيك وسعديك ، وبأبي أنت وأمي ! قال : اسمع مني ما أقول ، واعلم انك مأسور في أيديهما وهما حرّان [ وقد أقسمت ] إن لم تغنّ مائة صوت أن يطرحاك في العقيق وهما حرّان ، وإن لم يفعلا ذلك لأقطعنّ أيديهما ! فصاح ابن عائشة : وا ويلاه ! وأعظم مصيبتاه ! قال دع من صياحك وخذ فيما ينفعنا . قال : اقترح وأقم من يحصي ! وأقبل يغني ، فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه ، فلما تمت أصواته مائة ، كبّر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة ارتجت لها أقطار المدينة ، وقالوا للحسن : صلّى اللّه على جدّك حيا وميتا ؛ فما اجتمع لأهل المدينة ؛ وقالوا للحسن : صلى اللّه على جدّك حيا وميتا ؛ فما اجتمع لأهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت ! فقال الحسن إنما فعلت هذا بك يا ابن عائشة لاخلاقك الشّكسة ! قال له ابن عائشة : واللّه ما مرت عليّ مصيبة أعظم منها ، لقد بلغت أطراف أعضائي . فكان بعد ذلك إذا قيل له : ما أشدّ ما مر عليك ؟ قال : يوم العقيق . ابن المهدي وكان إبراهيم بن المهدي - وهو الذي يقال له ابن شكلة - داهيا عاقلا عالما بأيام الناس شاعرا مفلقا ، وكان يصوغ فيجيد . مخالفته على المأمون ويروى عن إبراهيم انه قد كان خالف على المأمون ودعا إلى نفسه ، فظفر به المأمون فعفا عنه ، وقال : لما ظفر به المأمون : ذهبت من الدّنيا كما ذهبت مني * هوى الدهر بي عنها وأهوى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة * وإن أحتبسها أحتبسها على ضنّ « 1 » هو والمأمون فلما فتحت له أبواب الرضا من المأمون ، غنى بهما بين يديه ؛ فقال له المأمون :

--> ( 1 ) الضنّ : البخل .