أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
40
العقد الفريد
أحسنت واللّه يا أمير المؤمنين ! فقام إبراهيم رهبة من ذلك ، وقال : قتلتني واللّه يا أمير المؤمنين ! لا واللّه إن جلست حتى تسمّيني باسمي . قال : اجلس يا إبراهيم . فكان بعد ذلك آثر الناس عند المأمون : ينادمه ويسامره ويغنّيه . قصة يرويها للمأمون فحدثه يوما فقال : بينا انا مع أبيك يا أمير المؤمنين بطريقة مكة ، إذ تخلفت عن الرفقة وانفردت وحدي ، وعطشت وجعلت اطلب الرفقة ، فأتيت إلى بئر ، فإذا حبشي نائم عندها ، فقلت له : يا نائم ، قم فاسقني ! فقال : إن كنت عطشان فانزل واستق لنفسك . فخطر صوت ببالي ، فترنمت به وهو : كفّناني إن متّ في درع أروى * واسقياني من بئر عروة ماء « 1 » فلما سمع قام نشيطا مسرورا ، وقال : واللّه هذه بئر عروة ، وهذا قبره ! فعجبت يا أمير المؤمنين لما خطر ببالي في ذلك الموضع ، ثم قال : أسقيك على أن تغنّيني ؟ قلت : نعم ، فلم أزل أغنيه وهو يجبذ « 2 » الحبل ، حتى سقاني وأروى دابّتي ، ثم قال : أدلك على موضع العسكر على أن تغنّيني ؟ قلت : نعم . فلم يزل يعدو بين يدي وأنا اغنيه حتى أشرفنا على العسكر ، فانصرف ؛ وأتيت الرشيد فحدثته بذلك ، فضحك . ثم رجعنا من حجّنا ، فإذا هو قد تلقاني وأنا عديل الرشيد ، فلما رآني قال : مغنّ واللّه ! قيل له : أتقول هذا لأخي أمير المؤمنين ؟ قال اي لعمر اللّه ، لقد غناني ! وأهدى إليّ أقطا « 3 » وتمرا ، فأمرت له بصلة وكسوة ، وأمر له الرشيد بكسوة أيضا . فضحك المأمون ، وقال : غنّي الصوت . فغنيته فافتتن به ، فكان لا يقترح عليّ غيره . وكان مخارق وعلّوية قد حرّفا القديم كله وصيّرا فيه نغما فارسية ؛ فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الأول الثقيل ، قالا : يحتاج غناؤك إلى فصاده ! واسم علوية : يوسف مولى لبني أمية .
--> ( 1 ) الدرع : قميص المرأة . والغض من العشب . ( 2 ) يجبذ : يجذب . ( 3 ) الأقط : لبن محمض يجمد حتى يستحجر ويطبخ .