أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
38
العقد الفريد
عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند ، فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه ، فاسترضاه ، فرضي عنه ، وكلمته عائشة . هو ومروان بن الحكم وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة : يستعمل هذا سنة وهذا سنة ؛ وكانت في مروان شدة وغلظة ، وفي سعيد لين عريكة وحلم وصفح ؛ فلقي مروان بن الحكم قندا المغني ، وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة ؛ فلما رآه قال : قل لقند يشيّع الاظعانا * ربّما سرّ عيننا وكفانا قال له قند : لا إله إلا اللّه ، ما اسمجك واليا ومعزولا . ابن عائشة والحسن وروي ابن الكلبي عن أبيه قال : كان ابن عائشة من أحسن الناس غناء ، وأنبههم فيه ، وأضيقهم خلقا ، إذا قيل له غنّ ، يقول : أو لمثلي يقال هذا ؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت يومي هذا ! فإن غنى وقيل له أحسنت ، قال : لمثلي يقال أحسنت ؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت سائر يومي هذا . فلما كان في بعض الأيام سال وادي العقيق ، فجاء بالعجب ، فلم يبق بالمدينة مخبّأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره ، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني ، وهو معتجر « 1 » بفضل ردائه ؛ فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام - وكان فيمن خرج إلى العقيق - وبين يديه أسودان كأنهما ساريتان « 2 » يمشيان بين يديه أمام دابته ؛ فقال لهما : أنتما حرّان لوجه اللّه إن تفعلا ما آمركما به ولم أقطعكما إربا إربا ؛ اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه ، فخذا بضبعيه « 3 » فإن فعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق ! قال : فمضيا
--> ( 1 ) معتجر : يقال : اعتجر فلان بالعمامة : أي لفها على رأسه وردّ طرفها على وجهه . ( 2 ) السارية : عمود من الخشب ينصب عليه الشراع . ( 3 ) الضبع : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها .