أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
313
العقد الفريد
هذه أيام جرت فيها العادة ، بإلطاف العبيد للسادة ، وإن كانت البضاعة تقصّر عما تبلغه الهمة ، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب : فجعلت هديتي هذه الأبيات ، وهي : ولمّا أن رأيت ذوي التصابي * تباروا في هدايا المهرجان جعلت هديّتي ردّا مقيما * على مرّ الحوادث والزمان وعبدا حين تكرمه ذليلا * ولكن لا يقرّ على الهوان « 1 » يزيدك حين تعطيه خضوعا * ويرضى من نوالك بالأماني ! « 2 » وأهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلا وكتب معها : نعل بعثت بها لتلبسها * رجل بها تسعى إلى المجد لو كان يصلح أن أشرّكها * خدّي جعلت شراكها خدّي « 3 » وأهدى عليّ بن الجهم كلبا ، وكتب : استوص خيرا به ، فإن له * عندي يدا لا أزال أحمدها يدلّ ضيفي عليّ في غسق اللي * ل إذا النار نام موقدها أهدى أحمد بن يوسف ملحا مطيّبا إلى إبراهيم بن المهدي ، وكتب إليه : الثقة بك سهّلت السبيل إليك ، فأهديت هدية من لا يحتشم ، إلى من لا يغتنم . وأهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح وجراب أشنان « 4 » ، وكتب إليه : لولا أن القلة قصّرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك ، ولكن البضاعة قعدت بالهمة ، وكرهت أن تطوى صحيفة البر ، وليس لي فيها ذكر ؛ فبعت بالمبتدإ به
--> ( 1 ) يقر : يقيم ويستقر . ( 2 ) الأماني : جمع أمنية . ( 3 ) الشراك : سير النعل . ( 4 ) أشنان : نبت من الحمض تغسل به الأيدي .