أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

25

العقد الفريد

الرأي ؛ فأكذبت له كلّ ما حكاه له ابن جعفر عني ، ووصفت له نفسي بغاية الملاء والجدة ؛ فامتلأ عبد الملك سرورا بما ذكرت له ، وغما بتكذيب ابن جعفر ؛ فلما عاد إليه ابن جعفر ، عاتبه عبد الملك على ما حكاه عني وأخبره بما حلّيت به نفسي ؛ فقال : كذب واللّه يا أمير المؤمنين ، وإنّه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك ، فضلا عن كثيره ! ثم خرج عبد اللّه فلقيني ، فقال : ما حملك أن كذّبتني عند أمير المؤمنين ؟ قلت : أفكنت تراني تجلسني بين شمس وقمر ، ثم أتفاقر عنده ! لا واللّه ما رأيت ذلك لنفسي وإن رأيته لي ! فلما أعلم بذلك عبد اللّه بن جعفر عبد الملك بن مروان ، قال : فالجاريتان له ! قال : فلما صارتا إليّ زرت عبد اللّه بن جعفر ، فوجدته قد امتلأ فرحا ، وهو يشرب ، وبين يديه عس « 1 » فيه عسل ممزوج بمسك وكافور ، فقال : مهيم ! قلت : قد واللّه قبضت الجاريتين . قال : فاشرب . فتناولت العس فجرعت منه جرعة ، فقال لي : زد ؛ فأبيت عليه ، فقال لجارية له عنده تغنيه : إن هذا قد حاز اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين ؛ فخذي في نعتهما ؛ فإنهما كما فلّكت « 2 » صدورهما . فحركت الجارية العود ثم غنت : عهدي بها في الحيّ قد جردت * صفراء مثل المهرة الضامر قد حجم الثّدي على نحرها * في مشرق ذي بهجة ناضر لو أسندت ميتا إلى صدرها * قام ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميّت الناشر قال : فلما سمعت الأبيات طربت ، ثم تناولت العس فشربت عللا بعد نهل ، ورفعت عقيرتي أغني : سقوني وقالوا لا تغنّ ولو سقوا * جبال حنين ما سقوني لغنّت

--> ( 1 ) العس : القدح الكبير . ( 2 ) فلّكت : يقال : فلك ثدي الفتاة أي استدار فصار كالفلكة .