أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

265

العقد الفريد

وفي الظليم : إن كل ذي رجلين إذا انكسرت إحدى رجليه نهض على الأخرى ، والظليم إذا انكسرت إحدى رجليه جثم ؛ ولذا قال الشاعر في نفسه وأخيه : [ فإني وإياه كرجلي نعامة * على ما بنا من ذي غنى وفقير يقول : لا غنى بواحد منا عن الأخر . [ وقال آخر ] : إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد * على أختها نهضا ولا دونها صبرا قالوا : وعلة ذلك أنه لا مخ في عظمه ، وكل عظم كسر يجبر ، إلا عظما لا مخ فيه . والظليم يغتذي المرو والصخر فتذيبه قانصته بطبعها حتى يصير كالماء . وفي النعامة : إنها أخذت من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة ، ومن الطير الريش والجناحين والمنقار ؛ فهي لا بعير ولا طائر . وقال الأحيمر السعدي : كنت ممن خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي وهربت وتردّدت في البوادي ، حتى ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريبا منه ، وذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب ، وكنت أغشى الذئاب وغيرها من بهائم الوحش ولا تنفر مني ، لأنها لم تر أحدا قبلي ، وكنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه [ وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش ] إلا النعام ، فإني لم أره قط إلا نافرا فزعا . الطير بلغني عن مكحول أنه قال : كان من دعاء داود النبي عليه السلام : يا رازق النّعّاب « 1 » في عشه . وذلك أن الغراب إذا فقس عن فراخه خرجت بيضاء ، فإذا رآها كذلك نفر عنها ؛ وتفتح أفواهها فيرسل اللّه ذبابا يدخل في أفواهها فيكون ذلك غذاءها حتى تسودّ ، فإذا اسودّت عاد الغراب إليها فغذاها ورفع اللّه الذباب عنها !

--> ( 1 ) النعاب : فرخ الغراب .