أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
239
العقد الفريد
الجاحظ وغيره من صنيع : الجاحظ قال : دعا أبو عبيد اللّه الواسطي إلى صنيع ، فدعاني ، فدعوت أبا الفلوسكيّ ، فلما كان من الغد صبح الفلوسكي الجاحظ فقال له : أما تذهب بنا هناك يا أبا عثمان ؟ قال : نعم . قال فذهبنا حتى أتينا دار صاحب الصنيع ، ولم يكن علينا كسوة رائعة ولا تحتنا دواب فتدخل تجاهنا ، فوجدنا البواب ذا غلظ وجفاء ، فمنعنا ، فانحدرنا في جانب الإيوان ننتظر أحد يعلم أبا عبد اللّه الواسطي بنا ؛ فلما أخبر خرج إلينا يتلقانا ، فتقدمني الفلوسكي وتقدمه حتى أتى صدر المجلس ؛ فقعد فيه ؛ ثم قال لي : هاهنا عندنا يا أبا عثمان ! فلما خلونا ثلاثتنا قلت للفلوسكي : كيف تسمي العرب من أمالت إلي أنفسها ؟ قال الفلوسكي : تسميه ضيفا . فقال له الجاحظ : وكيف تسمي من أماله الضيف ؟ قال : تسميه ضيفنا . قال الجاحظ : وكيف تسمي من أماله الضيفن ؟ قال : ما لمثل هذا عند العرب تسمية . قال الجاحظ : فقلت : قد رضيت أن تكون في منزلة من التطفيل لم تجد لها العرب اسما ، ثم تتحكم تحكّم صاحب البيت . باب من أخبار المحارفين منهم أبو الشمقمق الشاعر ، وكان أديبا ظريفا ومحارفا « 1 » ، وكان صعلوكا متبرما بالناس ، وقد لزم بيته في أطمار مسحوقة ، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه ، خرج فينظر من فروج الباب ، فإن أعجبه الواقف فتح له وإلا سكت عنه ؛ فأقبل إليه يوما بعض إخوانه الملطفين له ، فدخل عليه فلما رأى سوء حاله قال له : أبشر أبا الشمقمق ، فإنا روينا في بعض الحديث : « إن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة » . فقال : إن صح واللّه هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزّازا « 2 » ! ثم أنشأ يقول : أنا في حال تعالى اللّه * ربّي أيّ حال ليس لي شيء إذا قي * ل لمن ذا قلت ذا لي
--> ( 1 ) المحارف : الذي إذا طلب لا يرزق . ( 2 ) البزاز : بائع البزّ ، والبز نوع من الثياب أو السلاح .