أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

20

العقد الفريد

ثم نهض وهو يقول : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ « 1 » . فلما بلغ ابن جعفر ذلك أعدّ له طعاما ودعاه إلى منزله ، وأحضر ابن صيّاد المغني ، ثم تقدم إليه يقول : إذا رأيت معاوية واضعا يده في الطعام فحرّك أو تارك وغنّ . فلما وضع معاوية يده في الطعام حرّك ابن صياد أوتاره وغنى بشعر عدي بن زيد وكان معاوية يعجب به . يا لبينى أوقدي النارا * إنّ من تهوين قد حارا ربّ نار بتّ أرمقها * تقضم الهنديّ والغارا ولها ظبي يؤجّجها * عاقد في الخصر زنارا « 2 » . قال فأعجب معاوية غناؤه ، حتى قبض يده عن الطعام ، وجعل يضرب برجله الأرض طربا ؛ فقال له عبد اللّه بن جعفر : يا أمير المؤمنين ؛ إنما هو مختار الشعر يركّب عليه مختار الألحان ، فهل ترى به بأسا ؟ قال : لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان . قال : وقدم عبد اللّه بن جعفر على معاوية بالشام ، فأنزله في دار عياله ، وأظهر من إكرامه وبرّه ما كان يستحقه ؛ فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوجة معاوية ؛ فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد اللّه بن جعفر ، فجاءت إلى معاوية فقالت : هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين لحمك ودمك ، وأنزلته في حرمك ! فجاء معاوية فسمع شيئا حرّكه وأطربه ، فقال : واللّه إنّي لأسمع شيئا تكاد الجبال تخرّ له ، وما أظنّه إلا من تلقية الجن ! ثم انصرف ، فلما كان من آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد اللّه وهو قائم يصلي ، فأنبه فاختة ، وقال لها : اسمعي مكان ما أسمعتني ، هؤلاء قومي : ملوك بالنهار ، رهبان بالليل ! ثم إن معاوية أرق ذات ليلة ، فقال لخادمه حديج : اذهب فانظر من عند عبد اللّه ، وأخبره بخروجي إليه . فذهب فأخبره ، فأقام كلّ من كان عنده ؛ ثم جاء معاوية ، فلم

--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 102 ( 2 ) يؤججها : يلهبها .