أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
21
العقد الفريد
ير في المجلس غير عبد اللّه ، فقال : مجلس من هذا ؟ قال : مجلس فلان . قال معاوية : مره يرجع إلى مجلسه . ثم قال : مجلس من هذا ؟ قال : مجلس فلان . قال : مره يرجع إلى مجلسه . . . حتى لم يبق إلا مجلس رجل ، فقال : مجلس من هذا ؟ قال : مجلس رجل يداوي الآذان ، يا أمير المؤمنين ! قال له معاوية : فإنّ أذني عليلة ، فمره فليرجع إلى موضعه . وكان موضع بديح المغني ، فأمره ابن جعفر ، فرجع إلى موضعه ، فقال له معاوية : داو أذني من علّتها ! فتناول العود ثم غنى : أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم * بحومانة الدرّاج فالمتثلم « 1 » فحرّك عبد اللّه بن جعفر رأسه ، فقال معاوية : لم حرّكت رأسك يا بن جعفر ؟ قال : أريحيّة أجدها يا أمير المؤمنين ، لو لاقيت عندها لابليت ، ولئن سئلت عندها لأعطيت ! وكان معاوية قد خضب « 2 » ، فقال ابن جعفر لبديح : هات غير هذا . وكانت عند معاوية جارية أعزّ جواريه عنده ، كانت متولية خضابه ، فغناه بديح : أليس عندك شكر للتي جعلت * ما ابيض من قادمات الشعر كالحمم « 3 » وجدّدت منك ما قد كان أخلقه * صرف الزمان وطول الدهر والقدم فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله ، فقال ابن جعفر : يا أمير المؤمنين سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك ، وأنا أسألك عن تحريك رجلك ! فقال معاوية : كلّ كريم طروب . ثم قام وقال : لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه إذني . فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ، ومائة ثوب من خاص ثيابه ، وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب . هو ومغنية سمعها : وعن ابن الكلبي والهيثم بن عدي ، قالا : بينا عبد اللّه بن جعفر في بعض أزقة المدينة ، إذ سمع غناء ، فأصغى إليه ، فإذا بصوت شجيّ رقيق لقينة تغني :
--> ( 1 ) الدمنة : آثار الناس وما سودوا . ( 2 ) خضب : غيّر لون شعره بالخضاب . ( 3 ) الحمم : الفحم .