أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

232

العقد الفريد

وصل إلى الطفيلي وقد استوفى العدّة ، فقال للموكلين : ما هذا ؟ قالوا واللّه ما ندري ، غير أنا وجدناه مع القوم ، فجئنا به . فقال له المأمون : ما قصتك ويلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، امرأته طالق إن كان يعرف من أحوالهم شيئا ، ولا مما يدينون اللّه به ؛ إنما انا رجل طفيلي رأيتهم مجتمعين فظننتهم ذاهبين لدعوة ! فضحك المأمون وقال : يؤدّب ! وكان إبراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي ذنبه ، واحدّثك عن حديث عجيب عن نفسي . قال : قل يا إبراهيم ، قال : خرجت يا أمير المؤمنين من عندك يوما ؛ فطفت في سكك بغداد متطرّبا ، فانتهيت إلى موضع ، فشممت روائح أبازير قدور قد فاح طيبها ، فتاقت نفسي إليها وإلى طيب ريحها ، فوقفت على خياط فقلت : لمن هذه الدار ؟ قال : لرجل من التجار من البزازين . قلت : ما اسمه ؟ قال : فلان ابن فلان . فنظرت إلى الدار ، فإذا بشباك فيها مطلّ ، فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك قابضة على عضد ومعصم ، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور ، وبقيت باهتا ساعة ؛ ثم أدركني ذهني ، فقلت للخياط : أهو ممن يشرب ؟ قال : نعم ، وأحسب ان عنده اليوم دعوة ، وليس ينادمه إلا تجار عمل مستورون . فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب ، فقال الخياط : هؤلاء منادموه . فقلت : ما اسماهما وما كناهما ؟ قال : فلان وفلان . فحركت دابتي وداخلتهما ، وقلت : جعلت فداكما ، قد استبطأكما أبو غلان أعزه اللّه . وسايرتهما حتى بلغا الباب ، فأدخلاني وقدّماني ، فدخلنا ؛ فلما رآني صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل ، أو قادم قدمت عليهما من موضع ؛ فرحّب بي ، وأجلست في أفضل المواضع ؛ فجيء بالمائدة وعليها خبز نظيف ، وأتينا بتلك الألوان ، فكان طعمها أطيب من ريحها ؛ فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها ، وبقي الكف والمعصم ، كيف أصل إلى صاحبتهما ؟ ثم رفع الطعام ، وجاءونا بوضوء ، فتوضأنا وصرنا إلى بيت المنادمة ، فإذا أشكل بيت يا أمير المؤمنين ، وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويميل عليّ بالحديث . وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه على معرفة متقدمة ؛ حتى إذا شربنا أقداحا ، خرجت علينا جارية كأنها بان ،