أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

233

العقد الفريد

تنثني كالخيزران فأقبلت فسلمت غير خجلة ، وثنيت لها وسادة فجلست ، وأتى بالعود فوضع في حجرها فجسته ، فاستبنت في جسّها حذقها ، ثم اندفعت تغني : توهّمها طرفي فأصبح خدّها * وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها كفّي فآلم كفّها * فمن مسّ كفي في أناملها عقر فجعلت يا أمير المؤمنين بلابلي تطرب لحسن شعرها ، ثم اندفعت تغني : أشرت إليها : هل عرفت مدّتي ؟ * فردّت بطرف العين : إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرّها * وحادت عن الإظهار أيضا على عمد فصحت : يا سلام ! وجاءني من الطرب ما لا املك نفسي معه ؛ ثم اندفعت فغنت الثالث : أليس عجيبا أن بيتا يضمّني * وإياك لا نخلو ولا نتكلم ؟ سوى أعين تشكو الهوى بجفونها * وتقطيع أنفاس على النار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب * وتكسير أجفان وكف يسلّم فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء ، وإصابتها لمعنى الشعر ، وأنها لم تخرج عن الفنّ الذي ابتدأت به ؛ فقلت : بقي عليك يا جارية ! فضربت بعودها الأرض وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء ! فندمت على ما كان مني ، ورأيت القوم كأنهم تغيروا لي ؛ فقلت : أما عندكم عود غير هذا ؟ قالوا : بلى . فأتيت بعود ، فأصلحت من شأنه ، ثم غنيت : ما للمنازل لا يجبن حزينا * أصممن أم قدم المدى فبلينا راحوا العشيّة روحة منكورة * إن متن متنا أو حيين حيينا