أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

229

العقد الفريد

ساوم أشعب رجلا في قوس عربية ، فسأله دينارا فقال له : واللّه لو أنها إذا رمي بها طائر في جوّ السماء وقع مشويا بين رغيفين ، ما أعطيتك بها دينارا ! وبينا قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتانا ، إذ استأذن عليهم أشعب ؛ فقال أحدهم : إن من شأن أشعب البسط إلى أجل الطعام فاجعلوا كبار هذه الحيتان في قصعة بناحية ، ويأكل معنا الصغار . ففعلوا وأذن له ، فقالوا له : كيف رأيك في الحيتان ؟ فقال : واللّه إن لي عليها لحردا شديدا وحنقا ، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان ! قالوا له : فدونك خذ بثأر أبيك ! فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير ، ثم وضعه عند أذنه - وقد نظر إلى القصعة التي فيها الحيتان في زاوية المجلس - فقال : أتدرون ما يقول لي هذا الحوت ؟ قالوا : لا . قال : إنه يقول : إنه لم يحضر موت أبي ولم يدركه ؛ لأن سنه يصغر عن ذلك ، ولكن قال لي : عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت ، فهي أدركت أباك وأكلته ! أمير وطفيلي وكان رجل من لأمراء يستظرف طفيليا يحضر طعامه وشرابه ، وكان الطفيلي أكولا شروبا ، فلما رأى الأمير كثرة أكله وشربه اطرحه وجفاه ، فكتب إليه الطفيلي : قد قلّ أكلي وقلّ شربي * وصرت من بابة الأمير « 1 » فليدع بي وهو في أمان * أن أشرب الراح بالكبير طفيلي في صنيع وأقبل طفيلي إلى صنيع « 2 » ، فوجد بابا قد أرتج ولا سبيل إلى الوصول ؛ فسأل عن صاحب الصنيع إن كان له ولد غائب أو شريك في سفر ؟ فأخبر عنه أن له ولد بلد كذا ، فأخذ رقا أبيض وطواه وطبع عليه ، ثم أقبل متدلّلا فقعقع الباب قعقعة

--> ( 1 ) من بابته : أي ممن يصلح له . ( 2 ) الصنيع : الطعام .