أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

226

العقد الفريد

فيما ذا ينفقه ، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف . وقلت لكم بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم : أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقيّة ، فاحذروا النقم واختلاف الأمكنة ؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع ؛ و [ قد ] قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في العبد والأمة والشاة والبعير : فرّقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين . وقال ابن سيرين [ لبعض البحريّين ] : كيف تصنعون بأموالكم ؟ قالوا : نفرّقها في السفن ، فإن عطب بعض سلم بعض ، ولولا أن السلامة أكثر ؛ ما حملنا أموالنا في البحر . قال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع . وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى لسكرا ، وللمال لنزوة ؛ فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله ؛ فعبتموني بذلك ؛ وقد قال زيد بن جبلة : ليس أحد أقصر عقلا من غنيّ أمن الفقر . وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر . وقال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك : وهوب تلاد المال فيما ينوبه * منوع إذا ما منعه كان أحزما « 1 » وعبتمونيحين زعمت أني أقدّم المال على العلم ؛ لأن المال به يفاد العلم ، وبه تقوم النفس قبل أن يعرف فضل العلم فهو أصل ، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع ؛ فقلتم : كيف هذا ؟ وقد قيل لرئيس الحكماء : الأغنياء أفضل أم العلماء ؟ قال : العلماء ، قيل له : فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء ؟ قال : ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال ، وجهل الأغنياء بحقّ العلم ؛ فقلت : حالهما هي القاضية بينهما ، وكيف يستوي شيء حاجة العامة إليه ، وشيء يغنى فيه بعضهم عن بعض ؛ وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج ؛ وقال أبو

--> ( 1 ) التلاد : المال الأصلي القديم .