أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

223

العقد الفريد

أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب ، وقبيح أن تنهي مرشدا وأن تغري بمشفق . وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم ، وإصلاح فاسدكم ، وإبقاء النعمة عليكم ، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم ؛ وقد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم ، ولأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم ؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ « 1 » ؛ فما كان أحقنا بكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم ، فلا العذر المبسوط بلغتم ولا بواجب الحرمة قمتم ، ولو كان ذكر العيوب برّا وفخرا لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا . عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي العجين ، فهو أطيب لطمعه ، وأزيد في ريعه ؛ وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أملكوا « 2 » العجين ، فإنه أحد الريعين . وعبتموني حين ختمت على سدّ عظيم « 3 » ، وفيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نفيسة ؛ ومن رطبة غريبة ، على عبد نهم ، وصبيّ جشع ، وأمة لكعاء ، وزوجة مضيعة ؛ وليس من أصل الأدب ، ولا في ترتيب الحكم ، ولا في عادة القادة ، ولا في تدبير السادة ، أن يستوي في نفيس المأكول ، وغريب المشروب ، وثمين الملبوس ، وخطير المركوب - التابع والمتبوع ، والسيد والمسود ؛ كما لا تستوي مواضعهم في المجالس ، ومواقع أسمائهم في العنوان ؛ ومن شاء أطعم كلبه الدجاج السمين ، وعلف حماره السمسم المقشّر ! فعبتموني بالختم ، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق ، وعلى كيس فارغ ،

--> ( 1 ) سورة هود الآية 88 . ( 2 ) ملكوا العجين : أنعموا عجنه . ( 3 ) السد : سلة تتخذ من قضبان ، لها أطباق .