أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

224

العقد الفريد

وقال : طينة خير من ظنّة ، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء ، وعبتم من ختم على شيء ! وعبتموني أن قلت للغلام : إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج ، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق ؛ وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا طبخ أحدكم لحما فليزد من الماء ، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا » . وعبتموني بخصف « 1 » النعل ، وبتصدير القميص ، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنّسك ، وأن الترقيع من الحزم ، والتفرّق مع التضييع ؛ والاجتماع مع الحفظ . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ؛ ويلعق أصابعه ، ويقول : « لو أهدي إليّ ذراع لقبلت ، ولو دعيت إلى كراع لأجبت » . وقال عليه الصلاة والسلام : « من لم يستحي من الحلال خفّت مئونته ، وقل كبره » ؛ وقالت الحكماء : لا جديد لمن لم يلبس الخلق . وبعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا ، واشترط عليه أن يكون عاقلا ، فأتاه به موافقا ، فقال له : أكنت به ذا معرفة ؟ قال : لا ، ولكنني رأيته في يوم قائظ يلبس خلقا ويلبس الناس جديدا ؛ فتفرّست فيه العقل والأدب ، وقد علمت أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه ؛ وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا وسما به موضعا ؛ كما جعل لك زمان رجالا ، ولكل مقام مقالا ؛ وقد أحيا اللّه بالسم ، وأمات بالدواء ، وأغصّ بالماء ؛ وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين ، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين ؛ وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز ، وأمر مالك بن أنس بفرسك النعل ؛ وقال عمر بن الخطاب : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة ؛ ولبس سالم بن عبد اللّه بجلد أضحية « 2 » ؛ وقال رجل لبعض الحكماء : أريد أن أهدي إليك دجاجة . فقال : إن كان لا بد فاجعلها بيوضا . وعبتموني حين قلت : من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي ؛ فلقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية وأشفّ

--> ( 1 ) خصف النعل : خرزها بالمخصف . والمخصف : المخرز . ( 2 ) أضحية : شاة ونحوها يضحى بها في عيد الأضحى .