أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

15

العقد الفريد

نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا في كل يوم ، التفت إلينا فقال : إنا للّه وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها ، وأيام وليال قد قطعناها في علم الشعر ، وتركنا هاهنا أبواب الجنة مفتوحة ! قال : فبينما هو يمشي ونحن معه في أزقة المصيصة ، إذا نحن بسكران قد رفع صوته يغني : أذلني الهوى فأنا الذّليل * وليس إلى الذي أهوى سبيل فأخرج برنامجا من كمه ، فكتب البيت ؛ فقلنا له : أتكتب بيت شعر سمعته من سكران ؟ قال : أما سمعتم المثل : ربّ جوهرة في مزبلة ! . الأوقص المخزومي قال : وولي الأوقص المخزومي قضاء مكة ، فما رؤي مثله في العفاف والنبل ، فبينما هو نائم ذات ليلة في علّية له ، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن في غنائه ، فأشرف المخزومي عليه ، فقال : يا هذا ، شربت حراما ، وأيقظت نياما ، وغنيت خطأ : خذه عني ! فأصلحه عليه ! . وقال الأوقص المخزومي : قالت لي أمي : أي بنيّ ، إنّك خلقت في صورة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان ، فعليك بالدين ، فإن اللّه يرفع به الخسيسة ويتمّ به النقيصة ، فنفعني اللّه بقولها . الشعبي وبشر وحدث عباس بن المفضل قاضي المدينة ، قال : حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد اللّه قال : دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان ، وعنده جارية في حجرها عود ؛ فلما دخل الشعبي امرها فوضعت العود ، فقال له الشعبي : لا ينبغي للأمير ان يستحي من عبده . قال : صدقتم : ثم قال للجارية : هاتي ما عندك . فأخذت العود وغنت : ومما شجاني أنها يوم ودّعت * تولت وماء العين في الجفن حائر