أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

16

العقد الفريد

فلما أعادت من بعيد بنظرة * إليّ التفاتا أسلمته المحاجر فقال الشعبي : الصغير أكيسهما « 1 » . يريد الزير ، ثم قال : يا هذه ، أرخي من يمّك ، وشدّي من زيرك « 2 » . فقال له بشر : وما علمك ؟ قال : أظن العمل فيهما . قال : صدقت ، ومن لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه . قرشي ورجل يغني في المسجد وحدث عن أبي عبد اللّه البصري قال : غنّى رجل في المسجد الحرام وهو مستلق على قفاه صوتا ، ورجل من قريش يصلي في جواره ؛ فسمعه خدّام المسجد فقالوا : يا عدو اللّه ، تغني في المسجد الحرام ! ورفعوه إلى صاحب الشرطة ، فتجوز القرشي في صلاته ؛ ثم سلم واتبعه ، فقال لصاحب الشرطة : كذبوا عليه أصلحك اللّه ، إنّما كان يقرأ ! فقال يا فساق ، أتأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون أنه غنّى خلوا سبيله ! فلما خلّوه قال له القرشي : واللّه لولا انك أحسنت وأجدت ما شهدت لك ، اذهب راشدا . أبو حنيفة وجار له وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب ، وكان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام ، ويحييه جاره الكيال بالشراب ، ويغني على شرابه : أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر فأخذه العسس « 3 » ليلة فوقع في الحبس ، وفقد أبو حنيفة صوته واستوحش له ؛ فقال لأهله : ما فعل جارنا الكيال ؟ قالوا : أخذه العسس فهو في الحبس . فلما أصبح أبو حنيفة وضع الطويلة على رأسه ، وخرج حتى أتى باب عيسى بن موسى ، فاستأذن عليه ، فأسرع في إذنه - وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك - فأقبل عليه عيسى

--> ( 1 ) أكيسهما : أعقلهما . ( 2 ) الزير : الدقيق من الأوتار . ( 3 ) العسس : مفرده العاس : وهو من يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة .