أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
171
العقد الفريد
ذلك فقال إنما أكرم ما أكرم اللّه ، وأهين ما أهان اللّه . وشرد بعير له ، فجعل بعيرين لمن دلّ عليه ، فقيل له : أتجعل بعيرين في بعير ؟ قال : إنكم لا تعرفون فرحة من وجد ضالته ! وافترس الذئب له شاة ، فقال لرجل : خلّصها من الذئب وخذها ، فان فعلت فأنت والذئب واحد . وساوم رجل هبنقة « 1 » فقال : اشتريتها بستة ، وهي خير من سبعة ، وأعطيت فيها ثمانية ، وإن أردتها بتسعة ، وإلا فزن عشرة ! وكان بأقل الذي يضرب به المثل في العيّ ، اشترى شاة بأحد عشر درهما فسئل : بكم اشتريت الشاة ؟ ففتح يديه جميعا وأشار بأصابعه وأخرج لسانه ، ليتم العدد أحد عشر . الفرزدق والجرنفش ولما قرّب الفرزدق رأس بغلته من الماء ، قال له الجرنفش : نحّ رأس بغلتك حلق اللّه شأفتك ! قال : لما ذا عافاك اللّه ؟ قال لأنك كذوب الحنجرة زاني الكمرة ، فصاح الفرزدق : يا بني سدود . فاجتمعوا إليه ، فقال : سوّدوا الجرنفش عليكم ، فما رأيت فيكم أعقل منه . الجرنفش وهبنقة قال الأصمعي : سوبق بين الجرنفش وهبنقة ، أيهما أجنّ وأحمق ، فجاء جرنفش بحجارة خفاف من جص ، وجاء هبنقة بحجارة ثقال وترس ، فبدأ الجرنفش فقبض على حجر . ثم قال : درّي عقاب ، بلبن وأشخاب ! ثم رفع صوته وقال : الترس ! فرمى الترس فأصابه ، فانهزم هبنقة ، فقيل له : لم انهزمت ؟ فقال : إنه قال : الترس ! ورمى الترس فلم يخطئه ، فلو أنه قال العين ورماها أما كان يصيب عيني ؟
--> ( 1 ) هبنّق : أحمق .