أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
158
العقد الفريد
الأنبياء يا ضعيف ؟ واللّه لولا أني مقيد لأمرت جبريل يدمدمها « 1 » عليكم ! قال : فالمقيّد لا تجاب له دعوة ؟ قال : نعم ؛ الأنبياء خاصة إذا قيدت لم يرتفع دعاؤها ! فضحك سليمان ، وقال له أنا أطلقك وأمر جبريل ، فإن أطاعك آمنا بك وصدّقناك . قال : صدق اللّه : فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ « 2 » ! فضحك سليمان ، وسأل عنه فشهد عنده أنه ممرور « 3 » ، فخلى سبيله . المأمون وآخر : قال ثمامة بن أشرس : شهدت المأمون أتي برجل ادّعى النبوّة وأنه إبراهيم الخليل ، فقال المأمون : ما سمعت أجرأ على اللّه من هذا . قلت : أكلّمه . قال : شأنك به . فقلت له : يا هذا ، إنّ إبراهيم كانت له براهين . قال : وما براهينه ؟ قلت : أضرمت له نار وألقي فيها فصارت بردا وسلاما ؛ فنحن نضرم لك نارا ونطرحك فيها ، فإن كانت عليك بردا كما كانت على إبراهيم آمنّا بك وصدقناك . قال : هات ما هو ألين عليّ من هذا . قال : براهين موسى . قال : وما كانت براهين موسى ؟ قال : عصاه التي ألقاها فصارت حية تسعى تلقف « 4 » ما يأفكون ، وضرب بها البحر فانفلق ؛ وبياض يده من غير سوء . قال : هذا أصعب ؛ هات ما هو ألين من هذا . قلت : براهين عيسى . قال : وما براهين عيسى ؟ قلت : كان يحيي الموتى ، ويمشي على الماء ، ويبرئ الأكمه والأبرص . فقال في براهين عيسى جئت بالطامة الكبرى ! قلت : لا بدّ من برهان ! فقال : ما معي شيء من هذا ؛ قد قلت لجبريل : إنكم توجّهوني إلى شياطين ، فأعطوني حجة أذهب بها إليهم ، وأحتجّ عليهم ؛ فغضب وقال : بدأت أنت بالشر قبل كل شيء ، اذهب الآن فانظر ما يقول لك القوم . وقال : هذا من الأنبياء لا يصلح إلا للحمر . فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا هاج به مرار ، وأعلام ذلك فيه . قال : صدقت ؛ دعه .
--> ( 1 ) دمدم عليهم : طحنهم فأهكلهم . ( 2 ) سورة يونس الآية 88 . ( 3 ) الممرور : الذي غلبت عليه المرّة وهاجت . ( 4 ) تلقف الشيء : تأخذها بفمها وتبتلعه .