أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

159

العقد الفريد

المهدي وآخر : ادّعى رجل النبوّة في أيام المهدي ، فأدخل عليه ؛ فقال له : أنت نبيّ ؟ قال : نعم . قال : ومتى نبئت ؟ قال : وما تصنع بالتاريخ ؟ قال : ففي أي المواضع جاءتك النبوّة ؟ قال : وقعنا واللّه في شغل ! ليس هذا من مسائل الأنبياء ؛ إن كان رأيك أن تصدقني في كل ما قلت لك فاعمل بقولي ؛ وإن كنت عزمت على تكذيبي فدعني أذهب عنك ! فقال المهدي : هذا ما لا يجوز ؛ إذ كان فيه فساد الدين . قال : وا عجبا لك ! تغضب لدينك لفساده ، ولا أغضب أنا لفساد نبوتي ؟ أنت واللّه ما قويت عليّ إلا بمعن بن زائدة والحسن بن قحطبة وما أشبههما من قوادك . وعلى يمين المهدي شريك القاضي ؛ قال : ما تقول في هذا النبي يا شريك ؟ قال [ المتنبّئ ] : شاورت هذا في أمري وتركت أن تشاورني ! قال : هات ما عندك ؟ قال : أحاكمك فيما جاء به من قبلي من الرسل . قال : رضيت . قال : أكافر أنا عندك أم مؤمن ؟ قال : كافر . قال : فإنّ اللّه يقول : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ « 1 » ؛ فلا تطعني ولا تؤذني ؛ ودعني أذهب إلى الضعفاء والمساكين ؛ فإنهم أتباع الأنبياء ؛ وأدع الملوك والجبابرة ؛ فإنهم حطب جهنم ! فضحك المهدي وخلى سبيله . القسري وآخر : قال خلف بن خليفة : ادّعى رجل النبوّة في زمن خالد بن عبد اللّه القسري ، وعارض القرآن ؛ فأتي به خالد ؛ فقال له : ما تقول : قال : عارضت في القرآن ما يقول اللّه تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ « 2 » فقلت أنا ما هو أحسن من هذا : إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، ولا تطع كل ساحر وكافر . فأمر به خالد فضربت عنقه وصلب على خشبة ؛ فمرّ به خلف بن خليفة الشاعر ، وقال : إنا أعطيناك العمود ، فصل لربك على عود ، وأنا ضامن أن لا تعود !

--> ( 1 ) سورة الأحزاب الآية 48 . ( 2 ) سورة الكوثر الآية 1 - 3 .