أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

11

العقد الفريد

يغنيهم ؟ قالوا : بالشعر . قال : فكيف يقول ؟ فقال له فتى من تلاميذه : يقول : أطوّف بالبيت مع من يطوف * وأرفع من مئزري المسبل قال : بارك اللّه عليه ، ما أحسن ما قال ! قال : ثم ما ذا ؟ قال : وأسجد بالليل حتى الصباح * وأتلوا من المحكم المنزل قال : وأحسن أيضا ، أحسن اللّه إليه ، ثم ما ذا ؟ قال : عسى فارج الهمّ عن يوسف * يسخّر لي ربّة المحمل قال : أمسك ! أمسك ! أفسد آخرا ما أصلح أوّلا ! ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه اللّه حسّن الحسن من قوله وقبّح القبيح ؟ . وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها ، كما كره بعضهم الملاذّ ولبس العباءة ، وكره الحوّاريّ « 1 » ، وأكل الكشكار ، وترك البرّ وأكل الشعير ، لا على طريق التحريم ، فإنّ ذلك وجه حسن ومذهب جميل ؛ فإنما الحلال ما أحل اللّه والحرام ما حرّم اللّه . يقول اللّه تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ « 2 » . وقد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء أو متجاهلا به ، فلا يأمر به ولا ينكره . للحسن البصري قال رجل للحسن البصري : ما تقول في الغناء يا أبا سعيد ؟ قال : نعم العون الغناء على طاعة اللّه ، يصل الرجل به رحمه ، ويواسي به صديقه . قال الرجل : ليس عن هذا أسألك . قال : وعمّ سألتني ؟ قال : أن يغني الرجل . قال : وكيف يغني ؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه ؛ قال الحسن : واللّه يا ابن أخي ما ظننت أنّ عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا ! وإنّما أنكر عليه الحسن تشويه وجهه وتعويج فمه ؛ وإن كان أنكر

--> ( 1 ) الحواري : لباب الدقيق . ( 2 ) سورة النحل الآية 116 .