أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

12

العقد الفريد

الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق ، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه . لابن جريج وابن عبيد قال إسحاق بن عمارة : حدثني أبو المغلس عن أبي الحارث ، قال : اختلف في الغناء عند محمد بن إبراهيم والي مكة ، فأرسل إلى ابن جريح وإلى عمرو بن عبيد ، فأتياه ، فسألهما ، فقال ابن جريج : لا بأس به ، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده وعنده ابن سريج المغني ، فكان إذا غنى لم يقل له اسكت ، وإذا سكت لم يقل له غنّ ، وإذا لحن ردّ عليه . وقال عمرو بن عبيد : أليس اللّه يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ « 1 » ، فأيهما يكتب الغناء ، الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال ؟ فقال ابن جريج : لا يكتبه واحد منهما ؛ لأنه لغو كحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم . لأبي يوسف قال إسحاق : وحدثني إبراهيم بن سعد الزمري قال : قال أبو يوسف القاضي : ما أعجب امركم يأهل المدينة في هذه الأغاني ! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها ! قال : فغضبت وقلت : قاتلكم اللّه يأهل العراق ! ما أوضح جهلكم وأبعد من السداد رأيكم ! متى رأيت أحدا سمع الغناء فظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته ، ويطلق امرأته ، ويقذف « 2 » المحصنة من جاراته ، ويكفر بربه ؛ فأين هذا من هذا ؟ من اختار شعرا جيدا ثم اختار جرما حسنا فردّده عليه فأطربه وأبهجه فعفا عن الجرائم ، وأعطى الرغائب . . . ؟ فقال أبو يوسف : قطعتني ! ولم يحر جوابا . الرشيد والزهري قال إسحاق : وحدّثني إبراهيم بن سعد الزهري قال : قال لي الرشيد : من بالمدينة

--> ( 1 ) سورة ق الآية 18 . ( 2 ) قذف المحصنة : رماها بالزنى .