أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
129
العقد الفريد
وقال عمي للرشيد في بعض حديثه : بلغني يا أمير المؤمنين أن رجلا من العرب طلق في يوم خمس نسوة ! قال إنما يجوز ملك الرجل على أربع نسوة ؛ فكيف طلق خمسا ؟ قال : كان لرجل أربع نسوة ، فدخل عليهنّ يوما فوجدهنّ متلاحيات متنازعات - وكان شنطيرا « 1 » ، فقال : إلى متى هذا التنازع ؟ ما إخال هذا الأمر إلا من قبلك - يقول ذلك لامرأة منهن - اذهبي فأنت طالق ! فقالت له صاحبتها : عجلت عليها بالطلاق ، ولو أدّبتها بغير ذلك لكنت حقيقا ! فقال لها : وأنت أيضا طالق ! فقالت له الثالثة : قبحك اللّه ! فو اللّه لقد كانتا إليك محسنتين ، وعليك مفضلتين ! فقال : وأنت أيتها المعدّدة أياديهما طالق أيضا ! فقالت له الرابعة ، وكانت هلالية وفيها أناة شديدة : ضاق صدرك عن أن تؤدب نساءك إلا بالطلاق ! فقال لها : وأنت طالق أيضا ! وكان ذلك بمسمع جارة له ، فأشرفت عليه وقد سمعت كلامه ، فقالت : واللّه ما شهدت العرب عليك وعلى قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم ، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة ! قال : وأنت أيضا أيتها المؤنّبة المتكلفة طالق ، إن أجاز زوجك ! فأجابه من داخل بيته : قد أجزت ! قد أجزت . المغيرة وزوجته فارعة : ودخل المغيرة بن شعبة على زوجته فارعة الثقفية وهي تتخلل حين انفتلت من صلاة الغداة ؛ فقال لها : لئن كنت تتخللين من طعامك اليوم إنك لجشعة ، وإن كنت تتخللين من طعام البارحة إنك لشبعة ، كنت فبنت « 2 » ، فقالت : واللّه ما اغتبطنا إذ كنا ، ولا أسفنا إذ بنّا ، وما هو لشيء مما ذكرت ، ولكني استكت « 3 » فتخللت لسواك ؛ فخرج المغيرة نادما على ما كان منه ، فلقيه يوسف بن أبي عقيل فقال له : إني نزلت الآن عن سيدة نساء ثقيف ؛ فتزوجها فإنها ستنجب ؛ فتزوجها فولدت له الحجاج .
--> ( 1 ) الشنظير : السيئ الخلق الفحاش . ( 2 ) يقال : بانت المرأة عن زوجها ، أي انفصلت بطلاق . ( 3 ) استاك ، نظف فمه وأسنانه بالسّواك .