أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

119

العقد الفريد

هذه عائشة ابنة طلحة ، فقالت له : أما إذ جلوتني عليه فأحسن إليه ! فقال : يا شعبي ، رح العشية [ إلى المسجد ] فرحت ، فقال : يا شعبي ، ما ينبغي لمن جليت عليه عائشة بنت طلحة أن ينقص عن عشرة آلاف ، فأمر لي بها ! وبكسوة ، وقارورة غالية ، فقيل للشعبي في ذلك اليوم : كيف الحال ! قال : وكيف حال من صدر عن الأمير ببدرة ، وكسوة ، وقارورة غالية ، ورؤية وجه عائشة بنت طلحة . زواج عمرو بن حجر من بنت عوف وكان عمرو بن حجر ملك كندة - وهو جد امرئ القيس - أراد ان يتزوج ابنة عوف بن محلّم الشيباني ، الذي يقال فيه : « لا حرّ بوادي عوف » لإفراط عزه ، وهي أم إياس ، وكانت ذات جمال وكمال ؛ فوجه إليها امرأة يقال لها عصام ، لتنظر إليها وتمتحن ما بلغه عنها : فدخلت على أمها امامة ابنة الحرث : فأعلمتها ما قدمت له ، فأرسلت إلى ابنتها [ فقالت ] : أي بنية ، هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك ؛ فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر اليه ، من وجه وخلق ، وناطقيها فيما استنطقتك فيه . فدخلت عصام عليها ، فنظرت إلى ما لم تر عينها مثله قطّ ، بهجة وحسنا وجمالا ، وإذا هي أكمل الناس عقلا ، وأفصحهم لسانا ؛ فخرجت من عندها وهي تقول : « ترك الخداع من كشف القناع » . فذهبت مثلا ، ثم أقبلت إلى الحرث ، فقال لها : « ما وراءك يا عصام » ؟ فأرسلها مثلا . قالت : « صرّح المخض عن الزبد » . فذهبت مثلا . قال : أخبريني : قالت أخبرك صدقا وحقا : رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة ، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة ، إن أرسلته خلته السلاسل ، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلالها الوابل ، ومع ذلك حاجبان كأنهما خطّا بقلم ، أو سوّدا بحمم ، قد تقوّسا على مثل عين العبهرة « 1 » التي لم يرعها قانص ولم يذرعها قسورة ، بينهما أنف كحد السيف المصقول ، لم يخنس به قصر ، ولم يمعن به طول ، حفّت به وجنتان كالأرجوان ، في بياض محض كالجمان ،

--> ( 1 ) العبهرة : الممتلئة الجسم .