أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
114
العقد الفريد
فتح اللّه لكم الطائف غدا فأنا أدلّك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يدخل عليكن هؤلاء . قوله : تقبل بأربع وتدبر بثمان ، يريد عكن « 1 » البطن ، أنها إذا أقبلت أربع ، وإذا أدبرت ثمان . وضرب البعث على رجل من أهل الكوفة ، فخرج إلى آذربيجان ، فاقتاد جارية وفرسا ، وكان مملكا بابنة عمه ، فكتب إليها ليغيرها : ألا أبلغوا أمّ البنين بأننا * غنينا وأغنتنا الغطارفة المرد « 2 » بعيد مناط المنكبين إذا جرى * وبيضاء كالتمثال زيّنها العقد فهذا لأيام العدوّ ، وهذه * لحاجة نفسي حين ينصرف الجند فلما ورد كتابه قرأته وقالت : يا غلام ، هات الدواة . فكتبت إليه تجيبه : ألا أقره السلام وقل له * غنينا - ففيقوا - بالغطارفة المرد بحمد أمير المؤمنين أقرّهم * شبابا - وأغزاكم - خوالف في الجند إذا شئت غنّاني غلام مرجّل * ونازعته من ماء معتصر الورد وإن شاء منهم ناشئ مدّ كفّه * إلى كبد ملساء أو كفل نهد « 3 » فما كنتم تقضون من حاج أهلكم * شهودا ، قضيناها على النّأي والبعد « 4 » فلما ورد كتابها ، لم يزد على أن ركب فرسه وأردف الجارية ، والحق بها ، فكان أول شيء بدأ لها به السلام أن قال : باللّه هل كنت فاعلة ؟ قالت : اللّه اجل في قلبي وأعظم ، وأنت في عيني أذلّ وأحقر من أن أعصى اللّه فيك ! فكيف ذقت طعم الغيرة ؟ فوهب لها الجارية وانصرف إلى بعثه .
--> ( 1 ) عكن البطن : يقال تعكّن البطن : اي صار ذا عكن ، وهو ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا . ( 2 ) الغطارفة : جمع غطريف وغطارف ، وهو السيد الكريم . ( 3 ) الكفل : العجز . ( 4 ) قفل : رجع .