الشيخ سيد سابق
545
فقه السنة
يهدم داره ، أو يحرق ثوبه ، فهل له أن يقتص منه فيفعل به مثل ما فعل ؟ للعلماء في ذلك رأيان : 1 - رأي يرى أن القصاص في ذلك غير مشروع ، لأنه إفساد من جهة ، ولان العقار والثياب غير متماثلة من جهة أخرى . 2 - ورأي يرى شرعية ذلك ، لان القصاص في الأنفس والأطراف جائز ، ولا شك أن الأنفس والأطراف أعظم قدرا من الأموال . وإذا كان القصاص جائزا فيها ، فالأموال - وهي دونها - من باب أولى . ولهذا جاز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا ، كقطع الشجر المثمر . وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة . ورجح ابن ألقم هذا الرأي ، فقال : " إتلاف المال ، فإن كان مما له حرمة ، كالحيوان والعبيد ، فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله ، وإن لم تكن له حرمة ، كالثوب يشقه ، والاناء يكسره ، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل . والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه ، كما فعله الجاني به ، فيشق ثوبه كما شق ثوبه ، ويكسر عصاه كما كسر عصاه ، إذا كانا متساويين ، وهذا من العدل ، وليس مع من منعه نص ، ولا قياس ، ولا إجماع ، فإن هذا ليس بحرام لحق الله ، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف ، فإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى . وإن حكمة القصاص من التشفي ، ودرك الغيظ ، لا تحصل إلا بذلك . ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ، ويعطيه قيمتها ، ولا يشق ذلك عليه ، لكثرة ماله ، فيشفي نفسه منه بذلك ، ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه ، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ، ودرك ثأره ، وبرد قلبه ، وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاقه هو . فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة ، وقياسها معا يأبى ذلك . وقوله تعالى : " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .