أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

88

العقد الفريد

وأرسله إلى أبيه ، وأما حسان بن المنذر ، فأسره بشر بن عمرو الرياحي ، ثم منّ عليه وأرسله ، فقال مالك بن نويرة : ونحن عقرنا مهر قابوس بعد ما * رأى القوم منه الموت والخيل تلحب « 1 » عليه دلاص ذات نسج وسيفه * جراز من الهنديّ أبيض مقضب « 2 » طلبنا بها إنا مداريك قبلها * إذا طلب الشّأو والبعيد المغرّب يوم فيف الريح « 3 » قال أبو عبيدة : تجمعت قبائل مذحج ، وأكثرها بنو الحارث بن كعب ، وقبائل من مراد وجعفي وزبيد وخثعم ، وعليهم أنس بن مدركة ، وعلى بني الحارث الحصين ، فأغاروا على بني عامر بن صعصعة بفيف الريح ، وعلى بني عامر ، عامر بن مالك ملاعب الأسنة . قال : فاقتتل القوم فكثروهم « 4 » . وارفضت قبائل من بني عامر ، وصبرت بنو نمير ، فما شبهوا إلا الكلاب المتعاظلة « 5 » حول اللواء ، وأقبل عامر بن الطفيل وخلفه دعيّ بن جعفر ، فقال : يا معشر الفتيان ، من ضرب ضربة أو طعن طعنة فليشهدني فكان الفارس إذا ضرب ضربة أو طعن طعنة قال عند ذلك : يا أبا علي ! فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد الحارثي ، فقال له من ورائه : عندك يا عامر ! والرمح عند أذنه ، فوهصه - أي طعنه فأصاب عينه - فوثب عامر عن فرسه ، ونجا على رجليه ، وأخذ مسهر رمح عامر . ففي ذلك يقول عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر : لعمري وما عمري علي بهيّن * لقد شان حر الوجه طعنة مسهر

--> ( 1 ) تلحب : تجهد وتلقي ما يؤذيها . ( 2 ) الدلاص من الدروع : اللينة البراقة الملساء . والجراز من السيوف : الماضي النافذ . ومقضب : قطّاع . ( 3 ) فيف الريح : بأعالي نجد . ( 4 ) كثروهم : غلبوهم بكثرتهم . ( 5 ) الكلاب المتعاظلة : التي لزم بعضها بعضا .