أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

84

العقد الفريد

عصمة ، قتل سيدنا النعمان ، وفرسنا ، مصاد ، وثأرنا أسيرك وفي يدك ، فما ينبغي لك أن تستحبيه ! فقال : إني ممحل « 1 » ، وقد أصبت الغنى في نفسي ، ولا تطيب نفسي عن أسيري ! فاشتراه بنو الحسحاس بمائة بعير . وقال رؤبة بن العجاج : بل أرضوه بثلاثين من حواشي النّعم ، فدفعه إليهم ، فخشوا ان يهجوهم ، فشدوا على لسانه نسعة « 2 » ، فقال إنكم قاتليّ ولا بدّ ، فدعوني أذمّ أصحابي وأنوح على نفسي ! فقالوا : إنك شاعر ونخاف أن تهجونا ! فعقد لهم أن لا يفعل ، فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها : ألالا تلوماني كفى اللّوم ما بيا * فما لكما في اللّوم خير ولا ليا ألم تعلما أنّ الملامة نفعها * قليل وما لومي أخي من شماليا « 3 » فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن * نداماي من نجران أن لا تلاقيا « 4 » أبا كرب والأيهمين كليهما * وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا « 5 » جزى اللّه قومي بالكلاب ملامة * صريحهم والآخرين المواليا « 6 » ولو شئت نجّتني من القوم نهدة * ترى خلفها الجرد الجياد تواليا « 7 » ولكنني أحمى ذمار أبيكم * وكاد الرّماح يختطفن المحاميا « 8 » أحقّا عباد اللّه أن لست سامعا * نشيد الرّعاء المعزبين المثاليا « 9 » أقول وقد شدّوا لساني بنسعة * أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا

--> ( 1 ) ممحل : أصابة المحل أي الفقر . ( 2 ) النسعة : القطعة من النسع ، وهو سير يضفر من جلد . ( 3 ) الشمال : الخلق . ( 4 ) عرضت : أتيت العروض ، وهي مكة والمدينة وما حولهما . ( 5 ) أبو كرب : هو بشر بن علقمة بن الحارث . ( 6 ) الصريح : الخالصة . والموالي : الخلفاء المنتمون إليهم . ( 7 ) النهدة : المرتفعة الخلق . والجرد : القصار الشعر . ( 8 ) الذمار : ما يجب حفظه من منعه جار أو طلب ثأر . ( 9 ) الرعاء : جمع راع . والمعزب : المنتحي بابله . والمثالي : التي نتج بعضها وبقي بعض .