أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

80

العقد الفريد

أمركم ، وإنما كان قوامكم أسيفا وعسيفا - يريد العبد والأجير - وصرتم اليوم إنما ترعى لكم بناتكم ، فليعرض عليّ كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره ، فاني متى أسمع الحزم أعرفه . فقال كل رجل منهم ما رأى ، وأكثم ساكت لا يتكلم ، حتى قام النعمان ابن الحسحاس ، فقال : يا قوم ، انظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأي ماء أنتم ، حتى تنفرج الحلقة عنكم وقد جممتم « 1 » وصلحت أحوالكم وانجبر كسيركم وقوي ضعيفكم ، ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدّة « 2 » ، فارتحلوا وانزلوا قدّة . وهو موضع يقال له الكلاب ، فلما سمع أكثم بن صيفي كلام النعمان ، قال : هذا هو الرأي ! فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم ، وأعلاه مما يلي اليمن ، وأسفله مما يلي العراق ، فنزلت سعد الرّباب بأعلى الوادي ، ونزلت حنظلة بأسفله . قال أبو عبيدة : وكانوا لا يخافون أن يغزوا في القيظ ، ولا يسافر فيه أحد ، ولا يستطيع أحد ان يقطع تلك الصحارى ، لبعد مسافتها ، وليس بها ماء ! ولشدة حرها . فأقاموا بقية القيظ لا يعلم أحد بمكانهم ! حتى إذا تهور القيظ - أي ذهب - بعث اللّه ذا العينين ، وهو من أهل مدينة هجر ، فمر بقدة وصحرائها ، فرأى ما بها من النعم ، فانطلق حتى أتى أهل هجر . فقال لهم : هل لكم في جارية عذراء ، ومهرة شوهاء « 3 » ، وبكرة « 4 » حمراء ، ليس دونها نكبة ؟ فقالوا : ومن لنا بذلك ؟ قال : تلكم تميم ألقاء مطروحون بقدّة . قالوا : إي واللّه ! فمشي بعضهم إلى بعض ، وقالوا : اغتنموها من بني تميم ! فأخرجوا منهم أربعة أملاك ، يقال لهم اليزيديون : يزيد بن هوبر ، ويزيد بن عبد المدان ، ويزيد بن المأمور ، ويزيد بن المخرم ، وكلهم حارثيون ، ومعهم عبد يغوث الحارثي ، فكان كل

--> ( 1 ) جمّ : عفا من تعبة . ( 2 ) قدّة : ماء بالكلاب . ( 3 ) الشوهاء : الطويلة الرائعة . ( 4 ) البكرة : الفتية من الإبل .