أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
81
العقد الفريد
واحد منهم على ألفين ، والجماعة ثمانية آلاف ، فلا يعلم جيش في الجاهلية كان أكبر منه ، ومن جيش يوم كسرى يوم ذي قار ، ويوم شعب جبلة - فمضوا ، حتى إذا كانوا ببلاد باهلة ، قال جزء بن جزء بن جزء الباهلي لابنه : يا بني ، هل لك في أكرومة لا يصاب أبدا مثلها ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : هذا الحيّ من تميم قد ولجوا هناك مخافة ، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم ، فاركب جملي الأرحبيّ « 1 » ، وسر سيرا رويدا عقبة من الليل - يعني ساعة - ثمل حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه ، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفتاته « 2 » في بوله ، فشدّ عليه حبله ، ثم ضع السّوط عليه ، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير الا أعطاك ، حتى تصبّح القوم . ففعل ما أمره به . قال الباهلي : فحللت بالكلاب قبل الجيش وأنا أنظر إلى ابن ذكاء - يعني الصبح - فناديت : يا صباحاه ! فإنهم ليثبون إليّ ليسألوني من أنت ، إذ أقبل رجل منهم من بني شقيق على مهر قد كان في النعم ، فنادى : يا صباحاه ! قد أتي على النعم ! ثم كر راجعا نحو الجيش ، فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل ، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن الدم ، وكان قد اصطبح « 3 » ، فقال عبد يغوث : أطيعوني وامضوا بالنعم وخلوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها : قالوا : اما دون ان تنكح بناتهم فلا ! وقال ضمرة بن لبيد الحماسي ، ثم المذحجي الكاهن : انظروا إذا سقتم النعم « 4 » ، فإن أتتكم الخيل عصبا [ عصبا ] ، العصبة تنتظر الأخرى حتى تلحق بها ، فإن أمر القوم هيّن ، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النعم ، فإنّ أمرهم شديد .
--> ( 1 ) الأرحبيّ : نسبة إلى بني أرحب ، بطن من همدان . ( 2 ) الثفنات : ما يقع على الأرض من أعضاء البعير والناقة إذا استناخ . ( 3 ) اصطبح : شرب الصبوح . ( 4 ) النعم : الإبل .