أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

70

العقد الفريد

كلها يوم خزاز « 1 » ، ففض جموع اليمن وهزمهم ، فاجتمعت عليه معد كلها ، وجعلوا له قسم الملك وتاجه ونجيبته « 2 » وطاعته فغبر بذلك حينا من دهره . ثم دخله ز هو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزه ، وانقياد معدّ له ، حتى بلغ من بغيه انه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، ويجير على الدهر فلا تخفر ذمّته ، ويقول : وحش ارض كذا في جواري ! فلا يهاج ، ولا تورد إبل أحد مع إبله ، ولا توقد نار مع ناره ، حتى قالت العرب : أعز من كليب وائل . وكانت بنو جشم وبنو شيبان في دار واحدة بتهامة ، وكان كليب بن وائل قد تزوّج جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان ، وأخوها جساس بن مرة ، وكانت البسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة ، وكانت نازلة في بني شيبان مجاورة لجساس ، وكان لها ناقة يقال لها سراب ، ولها تقول العرب : أشأم من سراب ، وأشأم من البسوس ! فمرّت إبل لكليب بسراب ناقة البسوس ، وهي معقولة بفناء بيتها ، جوار جساس بن مرة ، فلما رأت سراب الإبل نازعت عقالها حتى قطعته ، وتبعت الإبل واختلطت بها ، حتى انتهت إلى كليب وهو على الحوض ، معه قوس وكنانة ، فلما رآها أنكرها ، فانتزع « 3 » لها سهما فخرم « 4 » ضرعها فنفرت الناقة وهي ترغو ، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت : وا ذلّاه ! وا جاراه ! وأخرجت . مقتل كليب بن وائل فأحمست جسّاسا ، فركب فرسا له مغرورا به ، فأخذ آلته ، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان على فرسه ، ومعه رمحه ، حتى دخلا على كليب الحمى ، فقال له : يا أبا الماجدة ، عمدت إلى ناقة جارتي ، فعقرتها ! فقال له : أتراك ما نعي

--> ( 1 ) خزاز : جبل بطخفة ما بين البصرة إلى مكة . ( 2 ) النجيبة : الفاضلة على مثلها النفيسة في نوعها . ( 3 ) انتزع لها سهما : رماها به ( 4 ) خرم : ثقب وشقّ .